الثلاثاء، 8 يوليو 2014

النصيحة الأخيرة لـ"زوربا"

أنا أقول لك أيها الرئيس، اسمعني. لا زلتَ شاباً وسترى الكثير. هكذا هيَ الحياة لأنها حقيقية. إنَّ كل ما تسمعه وما تقرأه في الكتب جاء من الحياة، لذلك لا تخف من شئ، كل ما قرأت عن المآسي قد حدث بالفعل، بل دعني أقول لك أيها الرئيس لقد حدثت أشياء أكثر فظاعة مما قرأت، لقد قلتُ لك كثيراً لقد ارتكبتُ أنا نفسي مجازر وخطايا ـ ليغفرها الله ـ بسبب"وطنيتي".
سامحني أيها الرئيس، لكنَّ عملي معك، ومن ثمَّ صداقتي توجب علي أن أقول لك أننا رجال، لا يجب أن نبكي. أتعلم أنني أخجل من زوربا؟ نعم أخجل من زوربا. كلما أردتُ البكاء أمنعُ نفسي هكذا.. بالقوة. ماذا يتبقى لزوربا إذا بكيت؟ لا شئ.
نحن رجال، لذلك علينا أن نكونَ رجالاً. لا يجب علي الرجل أن يبكي، إذا بكى الرجل ماذا تفعل المرأة؟ أنا أقول لك أيها الرئيس، سامحني لأني أقول هذا، إذا بكيتَ أنت، ماذا تترك لأولادك؟ لامرأتك؟ كيفَ ستنظر في وجوههم؟ أنا أقول لك مرة ضرب ابن مختار القرية أخي الصغير، مافراندوني الجميل. جاء أخي يبكى ونحن في الحقل، ماذا فعلت؟
أنا اقول لك أيها الرئيس، إذا انكسرتَ وأنتَ وحيد لن تكون المشكلة كبيرة ستخجل أمام نفسك و أمام الله وفقط، لا مشكلة إذن. أما اذا انكسرت أمام أخيك، زوجتك أو طفلك فالموت أرحم من هذا..صدقني أيها الرئيس. الموت أرحم من أن تنكسر أمام قلب يراك كل ما يستطيع أن يلجأ إليه.
لقد أخذتُ عصاي وذهبتُ إلي المختار، حاول أبي منعي لكنني قلت: لو أنَّ هذا حدثَ لي لربما سكتّ. أما مافراندوني؟ أخي الصغير، لتلتهمني الجحيم إذا حدث ذلك وسكتّ.
دخلت علي المختار في بيته، وأخذتُ أضربه بكلّ قواي، لم يستطع أحد منعي. وأمسكتُ ابنه وجعلت مافراندوني يضربه مثلما ضربه. أنتَ تعلم الباقي أيها الرئيس لقد جلدوني نعم، لكنهم أبداً لم يسمعوني أبكي أو أتأوه.. لقد تركوني بعدما يأسوا من لحظة ضعف واحدة أبديها لهم، لقد كنتُ أتقطع، كان اللحم يتساقط من ظهري نِسَلاً نِسَلاً لكني لم أبكِ. وقد جعلتُ مافراندوني يمشي رافعاً رأسه. أنا أقسم بالله نفسه لم أغضب لنفسي لقد غضبت لمافراندوني فقط.
نحنُ الرجال، صدقني أيها الرئيس، يجب أن نكون أنبياء.. بالذات مع ذوينا: أبنائنا، زوجاتنا، اخوتنا، وحتى آبائنا. ألم تسأل نفسك لماذا لم يبعث الخالق نبيّ امرأة؟ يجب أن يكون الرجال أنبياء والأنبياء رجال، صدقني أنا أقول لك الحقيقة.
علي الرجال أن يتحملوا، أنا أخبرك أيها الرئيس بالحقيقة، لقد رأيتُ كثيراً من هذه الحياة، وفعلتُ الكثير سيسامحني الربّ لسببٍ واحد: لأنني لم أكذب، ولم أنكسر. أبداً لم أفعل هاتان الخطيئتان. لذلك سيسامحني الخالق وسيمسح بالاسفنجة العظيمة في يمينه بقية الخطايا.
أنا أقول لك أيها الرئيس: سترى من الحياة كثيراً، سيتوجب عليك أن تحملَ جبالاً من الهمّ والحزن علي كتفيك وقلبك، أن تحتضن الأهل وحتى الأصدقاء رغم بؤسك لأنك رجل، نعم صدقني.. سيخونك البعض وسيكذبون وسيحاولون حتى افتراسك اذا أعطيتهم الفرصة، أنا أخبرك سترى الكثير، لكني أقول لك لا تنكسر.
علي الرجال دوماً أن يكونوا رجالاً حقَّاً. عليهم ألا يكذبوا، وألا ينكسروا. ألا تنحني ظهورهم. ألا يختفي بريق العينين. هكذا ستصبح رجلاً، وسيسامحك الخالق علي الخطايا الأخرى. صدقني زوربا يقول لك.
          

السبت، 10 مايو 2014

الكتابة كملاذ أخير..


فعل الكتابة، هذا الذي بلا جدوي، هو وحده ما يستطيع أن يمنح الحياة معني.
*كارلوس ليسكانو
I
ليسكانو الذي اكتشفته قريباً ـ ربما مصادفةً ـ كانَ يكتب خلال محبسه لمدة اثنتي عشرة ساعة في اليوم.. بدءَ الأمرُ كالتالي: الشاب الثوري المناضل ينضم إلي تنظيم يساري يسعي لاسقاط الحكم الديكتاتوري العسكري، حكم علي ليسكانو المناضل بعشرين سنة سجن. حاول ليسكانو ـ لتخفيف وطأة السجن ـ أن يدرس الرياضيات، وفي لحظةٍ ما قرر: سأصبحُ كاتباً.

لم يكن متاحاً لليسكانو في المعتقل أياً من أدوات الكتابة، لذا قرر ليسكانو: سأكتب الرواية في خيالي. بدء ليسكانو الكتابة في خياله، كان يجلسُ لساعات طويلة يتأمل روايته، شخصياته التي يكتبها في مخيلته، الزمان والوقائع، الدراما: الحب والموت، السعي نحو الكمال.

أتيحت لليسكانو الأوراق بعد شهور، ولمدة خمس سنوات كان ليسكانو يكتب يومياً12ساعة. الكتابة بالنسبة لليسكانو، حياة..وميلاد تام. في تصديره لكتابه"الكاتب والآخر" كتب ليسكانو: إنM ـ شخصية روايتة الأولي: قصر الطاغية ـ هو من ابتكرني، وقد ابتكرني في الظلمة.

فرَّغ ليسكانو كل ما كتبه في مخيلته علي الورق، حين تم العفو العام في الأوروغواي عام 1984 كان ليسكانو حراً، كتب ليسكانو: حين سألوني ماذا أحتاج ـ عندما خرجت من السجن ـ كنت في الواقع في حاجة لكل شئ: الملابس والعمل والدفء والحنان خاصة، رغم أني لم أكن اشعر بذلك أجبتهم باني أريد آلة كاتبة. 


عند ليسكانو بالطبع ما يحكيه، إذ أنه وبعد خروجه من السجن كانَ يقابل ـ لفرط الدهشة ـ جلاديه، الضابط الذي كان يعذبه يجدهُ متمشياً في شوارع مونتيفيديو، الجندي الذي كانَ يزعق فيه برقمه لكي يأخذه إلي صالة التعذيب يجده متنزهاً في متنزهات العاصمة، في إحدي المرات حكي عن زميله الذي لم يعرف اسمه والذي كان يتشارك معه التعذيب داخل المعتقل، عندما قابله وجلس مع زوجته وأولاده، قال أنهما لم يتحدثا في أيّ شئ عما حدث لهما خلال السجن.
بتصفح ضئيل لما يكتب ليسكانو، سنكتشف أن الرجل لم يكن يملكُ شيئاً في حياته سوي الكتابة/عملية الميلاد والاكتشاف معاً. خلال الكتابة لا بدَّ وأن تولد، مرة أخري، وأن تتألم، وأن تحبّ، في كلّ لحظة.

الكتابة كانت ملاذاً أخيراً لدي ليسكانو، عندما أتصفح ـ بغريزة صحفية ـ حياة الأدباء/الكتاب/الشعراء أتفهم لماذا كانوا يكتبون، الأكثر منهم لم يكن يملك شيئاً سوي الكتابة، الذين انتحروا منهم ،علي سبيل المثال لا الحصر:


أروي صالح انتحرت بعد طبع المبتسرون، فرجينيا وولف بعد روايتها الأخيرة بوقت قليل قامت بتحميل معطفها بالحجارة ورمت نفسها في البحر، وإرنست همنجواي بعد العجوز والبحر ـ التي تنضح بالأمل ـ وبعد نوبل أطلق الرصاص من بندقيته علي رأسه(القائمة تطول).

II
لماذا أكتب؟ لأن عندي ما أحكيه.

أستطيع من خلال الحكاية أن أسمع صوت قلبي(حقاً) أستطيعُ أن أتمرسَ علي الحبّ(حقاً) في الكتابة أولد من جديد. خلال الكتابة أنا حقاً أبحر في بحر لا نهائيّ، حيثُ أنني وخلال الكتابة لا أعلم حقاً ما هي الجملة أو الفقرة القادمة، لا أعلم حتي الحرف التالي، كل ما أفعله أنني أتركُ قلبي لينساب علي الورق.

خلال الكتابة، أستطيع أن أخبرَ عن أخي حمزة الذي يثبتُ لي كلّ يوم : ويفوزُ باللذاتِ كل مغامرِ، وأنهُ أيضاً لا يجب أن نكون شيوخاً لكي نؤمن بالله حقاً. وسأحكي عن الحكايات التي حكاها لي، عن تاجر المخدرات الذي يحملُ روحه علي كفه حقاً وهو يمشي بهيروين ليسلمه لزبائنه، وعن نفس التاجر حين يصدر الحكم عليه بثمان سنوات في السجن كيف تلقي الحكم وكيف أنه لم يهتز مثلاً.(وسأحكي عني الآن وأنا أكتب)

خلال الكتابة سأحكي عنِّي، عن تجاربي التي لن تنتهي إلا بالموت(ككل البشر)، عن الوجع والمحبة والاشتياق ـ المتفجر دوماً ـ حين يفتت القلب تفتيتاً والجمال حين يجعلني أبكي(حقاً). سأكتب لأنني لا زلتُ أشعرُ بالجمال ينسربُ داخل قلبي بلا أية مقاومة مني، وحتي إن كنتُ أشعرُ بالقبح فسأظلّ أكتب لأن هذا ما أجيده، لأن الكتابة ستشعرني بالجمال.(لحظات أخري تشعرني الكتابة بالشغف بالفعل)
هنا، لن أكونَ مضطراً ـ مثلاً ـ أن أحكي وبشكلٍ مباشر عن الألم مثلاً، أو الافتقاد، سأتركُ لنفسي العنان لتكتب عن كل ما تشعر به. هنا وأنا أرمي قلبي علي الأوراق حكياً، أستطيع أن أقول لشخصٍ ما أحبه ـ قد يقرءُ ما أكتب في رواية أو قصة بعد عشرات السنين مثلاً ـ أنه لم يغادرني أبداً، أنني لم أتوقف لحظةً عن محبته، وأنني لم أنسه لحظة.. وأنهُ لا زال يتملَّكُ قلبي.

مثلاً أستطيع أن أخبر صديقاً ما كيفَ كنت أنظر إليه، من خلال رسم شخصيته في قصة.. أستطيع أن أخبر عن هذا الشاب الذي كان يقفُ في جنازة خاله ـ مكللاً بالحزن والألم ـ وظلّ يراقبُ الناس كيف يشعرون بالموت، سأحكي أنهُ وهو يبكي في موقفٍ جنائزيّ وهو يدفن خاله كيف أنه وللحظةٍ ما خرجَ الكاتب من داخله، ليراقب الناس وكيف كان وقع الموت البارد علي قلوب أبناءه/اخوته/وحتي الناس العاديون: أصدقاء أبنائه مثلاً. وأحكي عن موقفٍ رأيته ونسجتُ من خلاله قصة كاملة بماضيها وحاضرها.

أستطيعُ من خلال الكتابة ـ كما المحبة ـ أن أولد وأولد بلا توقف، لأن كل نص أكتبه يجعلني أكتشفُ جزءاً من ذاتي ويشعرني بالسعادة، بعض النصوص أمتلك لها حميميةً خاصة جداً، في لحظاتٍ كثيرة ـ ولأنني لا أكتبُ كثيراً بالفعل ـ أفتحُ بعض النصوص لأقرئني، هذا أنا، عارياً تماماً وبلا أيّ زيف، بلا أية ملابس بالفعل.

الكتابة كالمحبة والألم تماماً ـ أستطيعُ هنا أن أسجل أعجابي الشديد بخط حبيبتي وأنني أظل أتأمله لدقائق وكأنني أتأملُ وجهها، في خط حبيبتي جزء ما من روحها يحتاجُ لقلبٍ محب يكتشفه في الخط ـ تلدني، أو لأكون أكثرَ دقة: ألدني من خلالها.

بخلاف الكثير ممن أعرفهم، لا أكتبُ أبداً وأنا سئ المزاج، عندما أكتب، أتجهز للكتابة تماماً، لأن الكتابة ستكون جزءاً مني، عندما أكتب يجب أن يعلو صوت قلبي قبل أي صوتٍ آخر، صوت العالم/العمل/الزمن/المكان/البشر، يجب أن يختفي كل شئ، وأن أسمع نفسي ـ أنا الآن لا أدركُ ما أكتب ادراكاً تاماً ولا أعرفُ عما تتحدث الفقرة السابقة، كل ما في الأمر أني أتركُ شلال قلبي ـ .

III
إحدي صديقاتي كتبت روايةً أولي، أنهتها وبدأت في الثانية، وحين أنهت تلك الأخيرة بدأت في الثالثة. أذكرُ أنني نصحتها يوماً أنها يجب أن تتوقف بعد كل رواية قليلاً لتستوعب الرواية تماماً وتعيشها حقاً بعد أن عاشتها مرة وهي تكتبها، قالت: مش بإيدي يا عبد الرحمن، مش بعرف أوقف الكتابة.

هذا هو الأمر بالتحديد، الكتابة كالشلال تماماً، وتشبه الحبّ والولادة، حين قرأتُ الرواية الأولي لصديقتي، أذكرُ أنها لم تعجبني، ولم أكملها حتي. في الرواية الثانية كنتُ أسمعها حقاً، هذه الرواية كتبت عن تجربة كاملة، عن ميلادٍ تام، مرت بالتجربة وكتبت تجربتها، لقد عاشت تجربتها مرةً أخري، هذه المرة بالنظر من أعلي، لأنها تسمعُ وجيب قلبها وهي تكتب تماماً دون كل المؤثرات التي تؤثر علي حياتنا وتشوشها.

(يري صديقي أن بهاء طاهر كاتب يكره شخصياته الروائية، وبغض النظر عن اتفاقي أو اختلافي، أنا لم أكره شخصاً أبداً كتبت عنه في قصة)

في الكتابة أخرجُ من تشوشي تماماً، وأشعرُ بالعافية بعد خروجي من كتابة نصّ، في الرواية الأولي ـ السابقة الذكر ـ ولدت الفتاة ميلاداً ما، ربما لم يكتمل، استطاعت أن تولد مرةً أخري أكثر اكتمالاً في روايتها الأخيرة، الفقرات كانت جيدة ومتناسقة، القصة إلي حدٍ كبير تستطيع أن تجذبني لأعرف ماذا حدث بعذ هذه الصفحة أو ذاك الحدث.

في النصّ، أستطيع ان أحبّ تماماً، أستطيع أن أخبر حبيبتي، كم هي جميلة، ليس من خلال أن أقول: أنتِ جميلة، ربما من خلال أن أكتب مثلاً عن الأجنحة المتكسرة أو النبيّ لجبران طبعة بيروت، أو عن الأمير الذي مات من جمال الفتاة الجميلة"لونا".

لعل ما يعطيني مساحةً أكبر في النصّ، أنه يخرج من صوت قلبي، تستطيع حبيبتي من خلالها أن تشعر بصدقي تماماً، أستطيع في الكتابة أن أوصل ما لا أستطيع إيصاله بالكلام.

مثلاً، هنالكَ شئٌ ما لا أعلمهُ إلا أنا وصديقتي، عندما تجدُ هذه العلامة في قصةٍ ما كتبتها، ستعرفُ حقاً كيفَ تحتل المساحة الأكبر من حياتي، ستستطيع"لونا تك" أن تقرء نفسها وجمالها من خلال قصتي الأخيرة التي لم أنشرها، تستطيع أن تعرفني أكثر من خلال قصصي(لأنني في القصص بالتحديد لا أرسمُ نهايات القصة ولا حتي تفاصيلها، كل ما يحدث أن الفكرة تكون موجودة وأسمع قلبي يقول أكتب: فأتبعهُ وأكتب).

في الكتابة، ميلاد، كما المحبة بالفعل(ليس مجازاً) وحقيقةً لأنني أكونُ عارياً تماماً عندما أكتب، لأنني وحين أسمعُ نداء الكتابة، أقومُ من حالي، وأستحمّ، وأكونُ عارياً تماماً، وأنا أسمعُ هذا النداء الخارجي/الداخلي لقطرات الماء، أغمضُ عينيّ وأتركني تماماً، ربما لنصف ساعة، لا أتنشف وأخرجُ مرتدياً قطعةً واحدة علي جسدي، نظارتي بالطبع، وأكتب.. ليخرجَ نصاً أحبهُ من جديد، كهذا النصّ، كانت فكرته تختمرُ في رأسي منذُ شهور.

10/5/2013
05:49 عصراً 

الأحد، 20 أبريل 2014

مارثيدس، لقد اشتقتُ إليكِ.

دعيني أقبلكِ علي جبينك هذا الصباح، قبل أن أخبركِ كم أنتِ جميلة، وأنني أشتاقك بشدة.

عزيزتي بريجيف:

أبدءُ يومي هذا الصباح بالنوم، لي أكثر من أربعين ساعة لم أنم، لأكونَ صادقاً أحاولُ أن أقلدك في طريقة عملك. غير أنني اكتشفت أنك مثابرة أكثر مني حتي في تحمل قلة النوم، وهذا ما كانَ يفرقك عني.

في هذا الصباح، سأكتبُ إليكِ كما اعتدتْ منذُ شهور، غير أنهُ ـ ولتسمحي لي ـ سيقرءُ هذه الرسالة غيرك، لا أعرفُ السبب بالتحديد، ولكن أستأذنك. سأكتبُ وأنام. حقيقةً لم أفهم مدي أهمية النوم علي اليقظة إلا من خلالك. حينما تأتينني يا بريجيف بشعرك الكستنائي الخفيف حين أنام.

في المرةِ الأخيرة، كنتِ معي في عالمٍ سحريّ، كأننا كنا نشكلُ معاً أغنية. كلانا كانَت روحه مشدوهه إلي السماء دون أدني إرادة. وكانَ الجو صباحاً كالساعة الحالية، في ساحةٍ خالية وقبلَ شروق الشمسْ. أذكرُ أنني استيقظتُ فرحاً ومقبوضاً في الآن ذاته ذلك اليوم.

اشتقتُ كثيراً لأشياءَ كثيرة فعلناها معاً مراراً ولم تفقد ـ لفرطِ الدهشة ـ جمالها. الآنَ أصنعُ أشياءَ جميلة حقاً لم نكن نصنعها معاًـ لكنها تفقدُ رونقها بعد المرةِ الأولي. نسيت أن أخبركِ أنني أحببتُ طعم السيجار الكوبي أكثر من أية أدوات تدخين أخري، لكنني وكعادتي أفشلُ دوماً أن تكونَ لي عادة ـ سوي الكتابة والحب طبعاً ـ فلم أستطع أن أدخن باستمرار، الحقيقة أنني لا أحب التدخين دوماً. بريجيف إني أفتقدكْ.

في حلمي قبل الأخير، كنتِ تقبلينني، في عالمٍ ما غنائيّ بشدة. لفرطِ وجعي، لم يكتمل الحلمُ تماماً أيقظني صديقي في السكن. أه، لم أحدثكِ عن سكني الجديد. أنا أسكن الآن في مكانٍ آخر، لقد رحلتُ عن بيتي. أعودُ فقط آخر كل أسبوع اتفقدُ أشيائنا وأعود، بالاحري أتفقدني أنا، ما تبقي هناكْ.

لم أخبركِ أيضاً أنني أحتفظُ لكِ بقطعةِ شوكولا جائتني هدية منذُ شهر تقريباً، قلت: هذه الشوكولا لا تستحق سوي شفاه بريجيف.

أعودُ كما قلت كل أسبوع لأتفقدَ أشيائنا، الهواء الذي تنفسناهُ معاً هاهنا، الأمنياتُ التي ترتبت كما لم نخطط لها، رفوفُ مكتبتنا الصغيرة التي ظلت تكبرُ وتكبر كما كبرت خطانا. التفاصيلُ الصغيرة التي لم يصنعها حقيقةً سوي الله. وأعودْ، كلَّ أسبوعٍ أعودُ كي لا يجرفني التيار. بريجيف إني أشتاقك.

منذُ يومين فقط، توفي ماركيز، لفرطِ دهشتي لم تكوني موجودة لأحكي لكِ عن حكايا ماركيز وبساطته. الكل يعلمُ كم أحبه، ولكن لا أحد يعرفُ أنني لم اقرء له سوي رواية واحدة جعلتني أسيراً لعالمه.

عندما كنتُ أتصفحُ صوره، هنالك صورة واحدة يا بريجييف وجدتكِ فيها، توقفتُ أمامها، لن أقول أنني بكيت فلم تعد الدموع تنسالُ مني كما في السابق. المهم تلكَ الصورة حينَ كان ماركيز مريضاً وجاء ليزور قريته في كولومبيا. كانت الصورة تنطق: مارثيدس إلي يساره، ممسكٌ هو بساعدها، الناس والصحفيون يلوحون لماركيز، ماركيز غارق في لحظةٍ من لحظات الحب، وجهه ينطقُ لمارثيدس: من هؤلاء يا مارثيدس؟ أنا لا أنتمي إلي هنا، أشعرُ بالصخب، احميني.

في الحقيقة في تلكَ اللحظة اكتشفتُ أنني ماركيز، وأنكِ مارثيدس. لربما ـ لو كنتِ هاهنا كعادتك ـ لكنتُ أخبرتكِ أنَّ ماركيز أحب مارثيدس وهو في الثالثةِ عشر، وتزوجها وهو في الثلاثين، وقضي معها 57 عاماً كاملة في بيتٍ واحد. أذكرُ أنني أحببتكِ وأنا في الخامسةَ عشر، لكنني سأحكي عنكِ أكثر مما حكي ماركيز عن مارثيدس.

مارثيدس، لقد اشتقتُ إليكِ.





          

الاثنين، 20 يناير 2014

ثلاثة مقاطع عن الوَحدة .


I
"كلٌّ منا يا إيلينا، يختارُ جحيمهُ الخَاص،ذلكَ الجحيم الذي يجد نفسه فيه أكثر راحة"

منذُ فترة وداخلي صوتٌ يردد" لو أنَّ خوان خوسية مياس اطلعَ علي حكايتي لربما استبدلها بحكاية إيلينا".

من بين كل المشاعر استولت الوَحدة علي تفكير ميَّاس، ليكتب عنها. هذه الطريقة في الكتابة تمتعني بشكلٍ خاص. يعجبني في أدب ميلان كونديرا أنه يختارُ قيمةً ما، وينسجُ عليها روايته: الضحك والنسيان/الهوية/الخلود/البطء، وهكذا.
لم اقرء لميَّاس كثيراً، هذه الرواية فقط"هكذا كانت الوَحدَة". حازت إعجابي رغم أن الترجمة رديئة بعض الشئ. لكنَّ القصة عميقة للغاية.
إيلينا كانت وحيدة، أو بالأحري متوحدة لدرجة مأساوية، لم تعد تبالي بشئ، حتي عندما علمت أن زوجها وحبيبها منذُ الشباب يخونها.. ببساطة شديدة تعاملت كما لو أنَّ الأمر لا يعنيها.
أعتقد أنه في ممارسة الوَحدة نوع من التشفِّي في النفس، فيما فرطت فيه بالتحديد مما مضي، ونوع من اللامبالاة، والمواجهة المريرة مع الذات. إيلينا استأجرت تحرياً خاصاً يكتب لها تقارير عن زوجها. سرعان ما ملَّت من هذه التقارير. كانت بحاجة أكثر إلي أن تعرف نفسها"تواجها ذاتها".
طلبت من التحريّ أنْ يكتب تقاريراً عنها هيّ، بذاتها. ربما كانت تحتاج هذا النوع من أن تري نفسها: بمرآه . عندما صاح فيها أخوها، أنه لم يعد يفهمها. بل إنه بالأساس لم يكن يفهمها منذ شبابها. لم تفاجأ. هي كانت لا تعرفُ نفسها بالأساسْ. واحتاجت لكي تعرف نفسها، أن تخسر حياتها.
فكرتُ مراراً، أنَّ هذا الشعور بالوحدة، ناتجٌ بالأساس من حالة افتقاد شديد. افتقاد لشئٍ ما/احتياج. أفكرُ كثيراً(ولا أستطيع أن أجرب لأني لم أحطم أصنامي بعد) ماذا لو أنني لستُ محتاجاً لشئ؟ إنها حالة من الانعتاق الذي لن يُجرب. ألا تملكَ شيئاً وألا يملككَ شئْ. أعتقد أنها حالة غارقة في الرومانسية، لكنها الحقيقة: إذا لم نحتج شيئاً، لن نتوجع.
ببساطة: الوحدة، ضياع شئْ ما. انكسار/وجع/خوف/قلق. لتتخلص من كلّ هذا قد يكون مجدياً أن تتخلص من كلّ شئْ تمتلكه أو يمتلككْ. من خلال طريقتين:
أ‌.         إما أن تترك كل شئْ، وتذهب. أن تطلِّقَ كل ما بداخلك. وتبدأ من جديد. لكنَّ تحقيق هذا يظلُّ صعباً. أعتقد أن ملكيتك للأشياء وملكيتها لك تخضع للقلب. لو أنها ليست مستحوذة علي قلبك لن تستعبدك.
ب‌.     أن تمرِّسَ قلبَكَ علي الفقدانْ. أن تقلل قيمة الأشياء من حيث استحواذها عليه.

بالنسبة لإيلينا، كلفتها معرفة ذاتها بيتها وزوجها.
لكلّ إنسان في حالة وَحدته/افتقاده شئٌ ما يصادقه/يؤنسه. اختارت إيلينا الحشيش، كانت بينهما علاقة ممتدة لسنوات. والناس في هذا علي مذاهب، بعضهم يهربُ للأدب/الموسيقي/الرسم/السينما....إلخ. وحين ينتهي كل شئ، سيصادق ذاته. حين فهمت إيلينا نفسها لم تعد تأبه للحشيشْ. صارت مكتفيةً بذاتها.(ما أصعب هذا الشعور)
في الاقتباس السابق، عن الجحيم الخاص. هل كان يقصد مياس،أنَّ كلٌّ منا يمتلكهُ شئ ما/يملكُ شيئاً ما يخافُ أن يفقده، ولهذا يعيش في جحيم مستمر؟
II
"تَقَدَّم وهو لا يدري إلي أين؟وتراجع دونَ أن يدري لماذا؟"

لربما لخص المنسي قنديل في هذه الجملة حالة الإنسان الوحيد. لا يدري إلي أين ولا يعرفُ لماذا؟ نفس الدائرة المفرغة"اكتشاف الذات/تحمُّل النفس دون وجعٍ أو مللْ". لطالما كانت صديقتي الجميلة تقولُ لي"يا عبدو متعدش متردد كتير، خد قرار واعمل حاجة. واتحمل نتيجتها، بس اقتل التردد". رغم اعتراضي الشديد علي رأيها، إلا أنني في أوقات كثيرة أستحضرُ عينيها وهي تقولُ هذا وأفعل كما قالت.
كانت شخصية عليّ، شخصية المنسي قنديل ذاته. طبيب، كلية طب المنصورة، يحبّ الشعر. وجيل عبد الناصر. أنا أعتقد أن شخصية الراوي/أي راوي تختبئ داخل النص طوال الوقت.
كانت شخصية علي، تمثيلٌ كامل لمعني الوحدة. ربما أكثرَ من إيلينا نفسها في رواية مياس. الشئ المختلف بينهما، الزائد علي عليّ أن وحدته لم تكن فقط لأجل أنه لم يكتشف ذاته، لا، بل كانت بسبب هذا الحبّ المربك لفاطمة. هذه الطريقة المازوخية التي يتعامل بها معها. وهذا الكبرياء ـ الذي هو من تكوين الشخصية ـ في شخص فاطمة.
كانت فاطمة، تغيبُ وتعود، ربما بالسنوات، لكنها تعود. وما بينَ هذا الذهاب والعودة، يتمزقُ عليّ. هو يتقدم دوماً ولا يدري لأين؟ لم يكن لهُ هدف باعتباره إنساناً له حلم ذاتيّ، لا شئَ ينمو داخله. ويتراجع في اللحظة الأخيرة دونَ أن يدري لماذا؟. هذه الحالة من التشتت كانت كفيلة بأن تضيعه تماماً. لم يظفر بفاطمة، ولا ببديلتها: سلوي.
الوحدة/انكسارُ الروح ـ وعنوانها وحده يحملُ الأسي كله ـ تطلّ من كل شخصيات المنسي قنديل تقريباً في الرواية،. إلا فاطمة. فاطمة كانت مكتملة، لا تحتاجُ شيئاً، وحينما اضطرت لتطلب النقود من عليّ، بكت كثيراً، رغم أنها تعلمْ أنهُ لن يعايرها بشئْ. في النهاية لم تأخذ النقود.(نفس الكبرياء يمنعها من العودة معه لبيته عندما ستتحول لعاهرة)
يظلّ انكسار فاطمة، ليس وليداً من ذاتها، عينيها دوماً كانتا ألقتان، لامعتان، لكنَّ النكسة، وموت أبيها وأخيها وتشردها، هو ما كسرها. لم تكنْ وحيدةً بحال من الأحوال، كانت مكتفية بذاتها.
الشخصية الأكثر وحدةً وافتقاداً، كان ذلك الرجل حارس الكوبري. الذي يبحثُ عمنْ يقاسمهُ كوبَ شايْ. يبحثُ عن من يؤنسه. لا زوجه أو أولاد، فقط يتبصصُ علي العاشقيْن وهما يقبلان بعضهما ويحتضنان الرغبة والشوق بين جسديهما. وحين يكتشفاه ويهمَّا بالهرب. يرفعُ يدهُ ويتوسل: بالله عليكما لا تذهبا، لا تخافا، بالله ابقيا قليلاً.
لم يكن هذا الحارس يطلب سوي: المؤانسة. كان يطلبُ منهما أن يخدمهما، يحضرُ لهما كوبا شاي ويبادلهما أطراف الحديث، ويحدثهما أنّ: الجميعُ يأتونَ إلي هنا ويمضون، أراهم جميعاً، ولا أحدَ يراني أنا حارس الكوبري العجوز، وهم يحسبون أنني مجرد عارضة حديدية صمَّاء.
هذا التردد المقيت، الفشل الذريع في تحقيق شئ ما في الحياة. بالتحديد الفكرة في المقطع السابق: أنه يملككَ شئْ.
(أسري ما نحبّ، وما نريد، وما نكون)
الرواية مؤلمة لدرجة شديدة، لم أتوسل لأحد وانا أقرء توسلي للمنسي قنديل، أن يتمّ حكايتهما، عليّ وفاطمة. وأنا اقرء ـ لفرط دخولي في الرواية وتشابهي مع بعض ملامح عليّ ـ كنتُ أشعرُ أحياناً أن ما يحدث قد حدثَ لي قبل ذلك، في حالة تشبه الديجافو.
لخَّصَ المنسي قنديل، كلّ شئْ بالنسبة لي، وهو يقول، علي لسان عليّ :
اكتشفتُ فجأةً أنني متفردٌ لحدٍ مُخيف، لا أَنتَمي لأيّ شئْ، لا لأسرة ولا جماعة ولا شلَّة، منذُ أن قالت لي أمي: عندما يبدءون النشاط نم أنت. وأنا اسيرُ كالمُنَوَّم عميقاً، أحملُ أحزاني الشخصية بلا أي أُلفة.
بلا أي ألفة.

III

"س:ماذا تفعل من الصباح إلي المساء؟
 ج: أتحمَّلُ نَفسِيْ." *إميل سيوران.


نفس الإرباك، مواجهة الذات. محاولة استكناهها. ليسَ هناك قاعدة عامة، بعض من يشتكي من الوحدة يحاول أن يخرجَ منها بمحاولات سطحية، يلبسُ أحد الأقنعة ليقنع نفسه أنهُ ليسَ وحيداً. الحال يشبه بالضبط هذا الذي يضحك وجسده مهشَّمْ. في تحليل هذا الضحك، إما احد أمرين:

ـ أنه فعلاً يلبسُ هذا القناع. ليتخفي.

ـ أنه لم يصدِّقْ ما حدث. ربما أن الوحدة شئٌ هائل ليتحملهُ شخصُ وحده. إنها لحظة خروج عن الواقع/عدم تصديق له.


لكن في الوحدة، ورغم كل الافتقاد والألم الموجع بشده، إلا أنَّني وبكلّ صراحة أعتقد أن الوحدة تعطي الإنسان مساحات واسعة للتحركْ. ببطئ و"بالراحه"، للتعرف علي الذات، لسماع صوت القلبْ. ربما للتحرر، وللتعامل مع فكرة أن الحياة قاسية بشكلٍ عام، وأنَّ علي الإنسان أن يتعود.

خلال الوحدة، نكتشفُ أشياءَ كثيرة، من خلال هذه المساحة الواسعة. بالنسبةِ لي علي الأقلّ، خلال هذه الفترة من الوَحدة والعزلة الغير اختيارية، عرفتُ أنني أحياناً كنتُ منافقاً، في الكثير من الأحيان، لم يكن عملي يوافقُ ما بقلبي. عرفتُ أنَّ العادة/التعوُّد هي من أسوء المشاعر. إنها "نمط" نمط يقتلُ فيكَ المغامرة، ويُطفِأُ عينيك.

خلال فترة الوحدة، وخلال المساحات الشاسعة من الفراغ الأبيض، تقفزُ إلي الذاكرة، ذكرياتٌ ما. كنا قد نسيناها، بحكم العادة، أو بحكم الكثافة التي كنا نحبسُ فيها أرواحنا.

مثلاً خلال الشهور الماضية، وبعد محاولات عديدة وممارسة مضنية، لم أعد أنبش في ذاكرتي عن ماضٍ جميل، يسليني عمَّا أنا فيه، كانَ يأتيني هذا الماضي وحدهُ، أحياناً ـ ولفرطِ الخيال ـ كنتُ أشعرُ أنَّ ما حدثَ يحدثُ الآنَ معي، الخيال بوابة كبيرة وجميلة. واسعة، ورقيقة جداً.

 لم أحاول أن أهرب من الواقع كما كنتُ دوماً. فجأةً اكتشفتُ أنني أتممتُ اثنتين وعشرينَ عاماً، وأنني يجبُ أن أواجه الحياة/الوجود. أن أتقبلَ كل ما يأتي به الوجود. أن أغوصَ داخلي/أكتشفني/أحددُ هدفِي كي أستطيع أن أعيش.

في شعور الوحدة/الافتقاد تدربُ نفسكَ علي التحمل، أعتقد أن أقسي أنواع التحمل هو تحمُّل الذات، وهذا ما أدركهُ سيوران في الاقتباس السابق. خلال الوحدة ستصادقُ أشياءَ كثرة، بالنسبةِ لي صادقتُ شخوصَ الروايات، الشخصيات التي أراقبها وأرسمُ لها تاريخاً ومستقبلاً كل يوم. صادقتُ عملي بشدة. صادقتُ الشايَ الأخضر. وفي النية أن أتعرفَ علي نكهات وأنواع أخري من الشاي.

في الوحدة، تكتسبُ الأشياء ألواناً اخري، معانيٍ أخري. رغم أنني أعرف أن ما أنا فيه سيمر، وسيمضي، شأنه شأن الحياة ذاتها، ورغم أنني متفائل، أفكرُ أحياناً: ربما يعد أن يمرّ كل شئ، سأتذكرُ نفسي الآن وأقول: صحيح، لربما كان هذا هو الأفضل لي. لقد تعلمتُ كثيراً من وحدتي اللا اختيارية.

قد تكون الوحدة، حالة صفرية أو حدية. ربما حسب ما يتعامل معها الإنسان حسبَ ما ستكون.

في النهاية، وبعد تقلصّ هذا الفراغ الأبيض الشاسع من الوحدة، لا يتبقي سوي الخيال. مؤانسة الخيال. ما أجمل العنوان، أعتقد لو أنني كتبتُ روايةً ما في يومٍ من الأيام ستحملُ هذا الإسم: مؤانسة الخيال.



20/1/2013

الخميس، 9 يناير 2014

الهدية . .



كانت مدللة العائلة: خالتي كريمة .
لون بشرتها مثل الشوكولاته. لكنها كانت جميلة أكثرَ من أيّ امرأةٍ أخري. كانت فتاتي الجميلة. كنتُ أتسللُ عندما كنا نزورهم إلي غرفتها أشاهدها وهي تبدلُ ملابسها، كنتُ أسترقُ النظرَ إلي رجلها ورقبتها، وعند النوم أظلُّ سهراناً لأراقبَ ملامحها.
 لا أعرفُ ما الذي كان يجذبني إلي قدمها بالتحديد؟ ربما كانَ الخطَّ الفاصل بينَ باطن القدمِ وظاهرها، هناكَ يجتمعُ لونان، اللونُ الأسمر لظاهر القدم والأسمر الذي يشوبه بياض عجيب في باطن القدم، وبينَ هذا وذاك الفاصل العجيب كنتُ أتوه، لربما كانَ ينقصني هذا الفاصل في حياتي بشكلٍ عام[1].
هوجاءُ كالاسكندرية، كنتُ أنتظرُ من صيفٍ لصيف، حتي يأتي ميعاد"المصيف"كانت أمي تأخذنا من بيتنا في القاهرة إلي عائلتها في الاسكندرية، كنتُ أحبّ البحر لكنني كنتُ أحبُّ كريمة أكثر. مجرد مشاهدتها وهي تمشي في شوارع "سيدي جابر" بين فتيان الحيّ ولا يجرء أحدٌ أن يحادثها، كان يمثلُ لي متعةً خلابة[2].
كنتُ أري نفسي أقوي منهم جميعاً، لقد كنتُ أظفرُ من كريمة بالكثير، واللا محكيّ.
مرةً مثلاً أخبرتها أنني أحبُّ شكلَّ نهديها، تظاهرت بالذعر، لكنها ضربتني علي كتفي وهي تضحك ـ في خفة ـ وقالت" تعالي ويايا، أنا هوريك". دخلتُ غرفتها مساءاً والجميعُ يتسامرونَ بينهم كاسات الشاي التي صَنَعَتهَا(في بيتها لم يكن أحدٌ من الضيوف ليشرب الشاي من غير يدها، لا أعرفُ لماذا؟ ربما لأنّ الشاي كان يكتسبُ مذاقاً أحلي عندما تقدمهُ هِيّ)، لم يكن ليشكَ أحد، أهٍ لو كنتُ كبيراً قليلاً. أخذتني خالتي  وأرتني أجملَ مشهدٍ رأيته في حياتي[3]،  لقد أعطتني فرصة النظر إلي نهدينِ مكتملين عدة لحظاتْ. شهقتُ لحظةً ثمّ ارتميتُ علي صدرها، في هذا الحدّ الفاصل بينَ عالمين(كما هو الحال في الحد الفاصل بينَ باطن قدمها وظاهرها)، ضَحِكَتْ كثيراً من ارتمائي علي صدرها، ابتسمتْ واحتضنتني، غمرتني بحنانها، ضحكت وهي تقبلُ رأسي. بعد هذا بلحظات قالت لي"يا خالد، اوعي تزعل بنت ف حياتك أبداً" نظرتُ إليها ببلاهه وقلت"ومين قاللك إني هعرف بنات غيرك أصلاً". ضحكت ولكن دعني أقول أنَّ هذا الحضن لم أحصل عليه من أحدٍ غيرها حتي سارَّه[4].

كانت أختها الأصغر تغارُ منها أيما غيرة، لكنها وبمرورِ الوقت، استسلمت للواقع، لربما كانت أجمل من كريمة وأصغر منها أيضاً، لكنَّ روح كريمة تطغي، حينَ تحلّ في مكانٍ لا يكونُ غيرها، وهكذا ظلت نائلة تتحاشي وجودها بجانب كريمة، وإن وُجدت في نفس المكان ابتعدت عن المشهد وتركت كريمة تسيطر علي الجميع بروحها.

لا أعرف ما الذي حدثَ بالتحديد، مرت سنتان لم أذهب للاسكندرية فيهما لظروفنا المادية المتعسرة، جاءت الأخبار من الاسكندرية بتغير حالة كريمة، كنتُ أسمعُ نشيجَ أمي حين تهاتفها خالتي نائلة وتحكي لها[5].
ما الذي حدث لا أعرف، كنتُ صغيراً علي إدراك ما يحدث[6]. في ليلةٍ من الليالي القارسة ـ أيضاً ـ قامت أمي علي صوتِ الهاتف، شهقت أمي وقامت تبكي، قام أبي واستيقظتُ قلقاً، كنتُ أعرفُ في قرارةِ نفسي أن شيئاً ما حدث، شئٌ غير طيب بالمره،قلبي أخبرني بذلك.
في الصباح ارتدت امي ملابسها وأبي، اقترضت من جارتنا مالاً كثيراً، فهمتُ أنها ستري كريمة، بكيتُ كثيراً:
ـ أريدُ أن أراها.
هزّ أبي رأسه في ألمٍ لم أشاهدهُ فيهِ من قبل[7]. لم تتحدثْ أمي، فقط سمعتها تتمتم:
ـ وأنا كمان، كان نفسي أشوفها.

استطعتُ ـ باعتباري أصغر إخوتي ـ أن أذهب معهم، الاسكندرية، في الشتاء القارس، كانت أمِّي ونحنُ في القطار ساهمةً طوال الوقت إلي السماء، أبي كان يحاوطها بكتفه، كانت تبكي بصمت، عيناها لم تتوقفا عن البكاء. أبي أيضاً بكي، ظلّ متحملاً لفترة كبيرة، حتي وصلنا مشارف الحيّ، كانت عيناي معلقتان بوجه أمي الأسمر[8]،فجأةً رأيتُ أبي ـ لأول مرة ـ يبكي، في صمتٍ أيضاً، ما إن وصلنا البيت، ورأينا الناسَ يتحلقون حول باب البيت وعلي السلم وفي الشارع، حتي أجهش أبي بالبكاء[9].

لم أفهم، ولم أبكِ أيضاً، كانَ هناكَ شئٌ ما بقلبي يخبرني ألا أبكي، لأني لستُ مثلهم. أنا حبيبها، نعم أنا حبيب كريمة، كانت قد أخبرتني مراراً أنها ستنتظرني لتتزوجني[10].
بعدَ يومين، كانت جنازتها.
الجنازة كانت كبيرة جداً، كانت لحظات مبكية لم أشهد مثلها، حتي جنازة أمي لم تكن مثل جنازتها[11]. الرجالُ والنساء والفتيات والصبيان، الجميع كان يبكي. أحد الشباب كانَ ينتحبُ بشدة في الجنازة، حين ظهرتُ أمامهُ، انحني وقبلني، وعندَ الدفنْ جلس علي الأرض واحتضنني حضناً قوياً وطويلاً.
لم تغبْ كريمة عنيْ يوماً، وحينَ كبرتُ قليلاً صرتُ أسافرُ الاسكندرية وحدي، أزورها،وكانت تزورني باستمرار[12]. كنتُ قد بلغت الرابعة عشر عندما كنتُ أزورُ قبرها، كنتُ أجلس في الاسكندرية أسبوعاً أو أكثر أقضي أغلب أيامي هناك عند قبرها[13]، وكان يأتي علي الليل أحياناً وأبيت جانبها.
كنتُ أترددُ علي جدتي، عندما كبرتُ أكثر وصرت في العشرين، أخبرني أبي ببعض التفاصيل:

خالتك كريمة، لبسها جنّ يا خالد، كانت جميلة جداً، حتي الجنّ كان عاوز يتجوزها، بس هيّ مرضيتش. جننوها ولاد الكلب.
شكلها بقي يتغير كتير، عنيها بقت حمره، أمها كانت بتخاف منها ولولا انها بتحبها أكتر من نفسها كانت خافت تقرب منها[14]......

لم أخلع الخاتم من يدي أبداً، ولم يشاهدهُ أحدٌ غيري، كان الخاتم الهدية الوحيدة التي قدمتها لي.عندما كبرتُ لم أحبّ امرأةً أخري، كانت تأتيني كريمة عندما أنام، صرتُ معتاداً عليها كثيراً، في فترات كانت تأتيني يومياً[15].
قبل أن أقابل سارة بيومين، جاءتني كريمة في المنام وهي تضحك. كانت سارة ممسكةً في يدها، ركضتُ لأحتضنَ كريمة فاحتضنتني، وقالت: مش هتفضل كده.ولم أفهم. تسامرنا قليلاً ونصحتني نصائح خاصة بالعمل، وهي تمشي، كانت سارة قد اختفن قالتلي كريمة وهي تمشي: خد بالك منها.
بعدها بيومين قابلتُ سارة وأنا أزورُ جدتي في سيدي جابر. تزوجنا. وكانت كريمة تأتيني كثيراً، ليلة زواجي، جاءتني وظلت تضحك وهي تقول: كبرت يا خالد. مش قلتلك إني مستنياك.
أبي ظلّ وفياً لكريمة ولأمي معاً، كان يزورهما كلما استطاع، حتي عندما كبر ووَهِن كان يزورُ كريمة في الاسكندرية، كنتُ أصحبهُ أحياناً،وكنتُ أتسائلُ دوماً : لماذا لا تأتيهِ كما تأتيني؟!
مرة من مرات زياراته لكريمة، أخبرني أبي بالنهاية، كريمة حبيبتك رمت نفسها من فوق السطح، ظلت تمشي لفترة كبيرة علي السطح والناس مشدوهه في الشارع، كانت تري الشارع قريباً إليها، لم تكن تشعر بالمسافة بينها وبين الشارع[16].
الآن أنا سعيد، كريمة تسكنني. سارَّة تعيشُ معي الآن، كريمة لم تنقطع عن زيارتي أبداً. والدي توفي في إحدي زياراته للاسكندرية، نائلة لم تتزوج رغم جمالها، وعندما أزورهم في الاسكندرية كانت تحتضنني بشدة وهي تقول: إنت اللي بقيلي من ذكري الغالية.





9/1/2013
02:19ص
















[1] عندما كبرتُ وأحببتُ القراءة، فهمتُ أنَّ للخيال أهمية ليست لغيرة. لربما كان باطن قدم خالتي يشبهُ الخيال،فقد كان أجملَ من ظاهر قدمها.
[2] كانت كريمة فريدة من نوعها، لطالما حقدت عليها فتياتُ الحيّ، السمراواتُ منهنَّ والبيضاواتْ، كانت تجتذبُ الفتيان رغم أنها ليست الأجمل، حاولتُ أن أحلل هذا عندما كبرتُ وغابت عن عيناي"وإن لم تغب عن مخيلتي"،لربما كانَ افتتانُ الشبابِ بها لسببين:

أ‌.         هذا البهاء الذي ينسابُ كالشلال وهي تمشي فتهتزُّ كرتان ليستا كبيرتانِ علي صدرها ببطءٍ ومهارة.
ب‌.     ربما لأنها كانت غامضةً وفريدة، عندما كبرتُ فهمتُ أكثر، كانت تعجبني المرأة الغامضة أكثر، كنتُ أجدُ متعةً أكبر في اكتشافها، ومحاولتي أن تقع في غرامي(لو أنني كنتُ شخصاً ذكورياً لقلتُ أنَّ وقوع أنثي فريدة وغامضة في غرامك يعدُّ انتصاراً أكثر تاريخية وأهميةً من انتصارات نابليون،ولكن الحقيقة أنني أحترم المرأة الغامضة أكثر، ولطالما خذلني حدسي مع الكثير منهن، كان مما يهونُ عليّ خساراتي المتتالية أنني فزتُ بكريمة في صغري، تلكَ التي لم يفز بها أحدٌ في كبره).
[3] سأقول لك أنني مارست الجنس مع الكثيراتْ، لكنّ واحدةً منهنّ لم تعطني من الجمال مقدار ما أعطتني خالتي كريمة.
[4] بطريقةٍ ما صرتُ حبيساً لهذا الحضن. سألخصُ لكَ نظريتي:
تستطيعُ المرأة ما لا يستطيعه الرجل، تستطيع المرأة بحضن أن تجعلكَ رجلاً، كما تستطيعُ بحضنٍ أيضاً أن تنسيكَ كل شئ.
هذا بالضبط ما فعلتهُ معي خالتي كريمة، أنستني كلّ شئ، ظلت بصمتُهَا تؤلمني، كنتُ أفكرُ وأنا صغير لو أنني كنتُ كبيراً لتزوجتها، ومرة قلتُ لها: لو كنت كبير شوية، كنت هتجوزك. فضحكت واحتضنتني، قالت: هستناكْ. ويبدو أنها انتظرتْ حتي أخذها الله، ولم أستطع أن أكبر بشكلٍ أسرع لأنقذها من الموت.
[5] كانت هذه الأيام أيامَ شتاءٍ قارس، كنتُ أنظرُ لأمي وهي تكلمُ خالتي، كنتُ أري في وجهها كلاماً كثيراً، أو بالأحري وجعاً كثيراً، لكنها كانت كتومة بخلاف خالتي كريمة. وكنتُ مساءاً أسمعُ نشيجَ أمي، وهي تحكي لأبي: محدش عارف إيه اللي حاصل، بقي كريمة، اللي ملت الدنيا بضحكتها يحصل فيها كده؟ جرا ايه في العالم. وكانت كلما حكت لأبي أرتَعِدْ، أنا في قرارة نفسي كنتُ أشعرُ بحدوثِ شئٍ ما، شئ ليس جيداً بالمره، وكلما سمعتُ أمي تبكي كلما انكمشتُ في سريري وبكيت، مرةً كلمتُ الله وأنا أبكي، لا أذكر بالتحديد ماذا قلتُ له، ولكنني أذكر هذا الجملة: يارب أنا بَ أحبها، يا ريت تخلِّي بالك منها.
[6] عندما كبرت لم أنسها، أو أنسَ ما حدث، ظللتُ أنقبُ عما حدثَ لها حتي أخبرتني جدتي...وأبي.
[7] كان رجال العائلة جميعاً يحبونَ كريمة، يوقرونها، ولم تكن أياً من نسائهنّ يغرن منها، كانت حبيبة الجميع بحقّ.
[8] كانت أمي أجمل نساء العائلة بعد كريمة ـ رحمها الله ـ ،في الحقيقة لم تكن كريمة أجمل من امي كثيراً، ما كان يميزها عن أمي أنها كانت أكثر جرأة وفرادةً وغموضاً. لو امتلكت أمي مقومات كريمة، لما استطاعَ أن يتزوجها ابي.
[9] لأكونَ أكثرَ دقة، كانَ أبي يحبّ كريمة أكثر من أيّ رجلٍ آخر في العائلة، أمي كانت تعلمُ ذلك، لكنها كانت تعلمُ أيضاً أنهُ يحبها هي كزوجة، وكانت تعلم أن كريمة "زاهدة" بشكلٍ ما في الرجال، وكانت تعلمُ أنها تحبُّ كريمة أكثر من أي إنسان في هذه الدنيا، ربما كانت تحبها أكثر مني أيضاً. سأكونُ أكثر صراحة وأقول أن حب كريمة  لي وصداقتها، ربما كان بسبب حبها لأمي.
[10] آخر مرة اخبرتني فيها كريمة أنها ستنتظرني كانت في السابعة والعشرين منذُ سنتين تقريباً، وكنتُ في السادسة.
[11] ماتت أمي في صمتٍ عجيب، بعد أن عادتْ من الجنازة بأيام. لم تكن تأكل إلا القليل، في الليلْ، سمعتُ أبي يبكي،وكنتُ أعرفُ أن شيئاً ما سيئاً سيحدثْ،قلبي أخبرني بذلك أيضاً، في الصباح كانت جنازة أمي.
[12] بعد أن دفنت، وعدتُ للقاهرة، كانت تزورني باستمرار، في اليوم الذي ماتت فيه أمي، جاءتني وأنا نائم،كانت في بيتٍ لا أعرفه، دخلت عليها أمي، واحتضنتها بقوة، كنتُ أشاهدهما من بعيد، أحاول أن أحتضن كريمة ولم أستطع أن أصل إليها. بعدها بساعتين تقريباً سمعتُ بكاء أبي.
[13] في ليلةٍ من الليالي، وأنا نائمٌ عند قبرها، جاءتني في المنام، ضاحكةً وشعرها مسترسل، احتضنتني كما احتضنتني من قبل حين أخبرتها أنني أحب نهديها، وأجلستني علي حجرها، كنتُ فرحاً ولكنني بكيت. مسحت بكفيها الحانيتين دموعي وقالت لي: يا خالد، مش أنا حبيبتك؟،فأجبت: أيوة إنتِ حبيبتي. طيب واللي بيحب حد محتاج يجيله؟ مش لازم تيجي تزورني هنا، وبعدين أنا كمان بزورك. ثم ابتسمت وأعطتني خاتماً فضياً. وذهبتْ. من حينها لم أزرها إلا عندما كبر أبي وكنت أساعده في سفره، لكنها كانت تزورني باستمرار.
[14] بقية القصة رأيتها في منامي/مخيلتي،وكنتُ أقوم مفزوعاً كل مرة. كريمة، صارت مجنونة، نعم مجنونة، كنتُ أشاهدها في غرفتها التي طالما استرقتُ النظر إليها، وكان شعرهاً مهووشاً وعينيها حمراوتان جداً وتصرخ: محدش يملكني. أنا صاحبة نفسي، يا ولاد الكلاب،يا شراميط. وكانت أحياناً تحاولُ أن ترمي نفسها من البلكونة. أمها في النهاية قيدتها في سريرها بحبال كثيرة. كانت تطعمها وتسقيها بيدها، صارت كريمة"مدهوله"في حالها. أختها التي كانت تغار منها حزنت كثيراً وكانت تبكي.
[15] مرة، صادقتً فتاةً بلا حب، علي السرير، لم أعجبها، في الليل جاءتني كريمة كما لم أرها من قبل: عارية تماماً، احتضنتني وقالت: مش مشكلة،سيبك منها. ثم احتضنتني بكاملها. عندما استيقظتُ كنتُ أشعرُ بجسدها ملاصقاً جسدي، أشعرُ بأناملها، لم تكن جنابة كانت جماعاً كاملاً. وعندما قمتُ لأستحمّ كانت تستحمُّ معي.
[16] أنا لم أفاجأ كثيراً بهذه النهاية. يستطيعُ الجميع أن يقول أنها كانت مجنونة، أنا لا أصدقهم،كريمة أجمل مخلوقة،وأكثر الناس حباً. إذا صدَّقتُ أن الجنّ كان يريد الزواج منها، فهي كانت ترفض. لم تكن مجنونة وإنما كانت ترفض وفقط. لهذا كانت تشتم وتصوِّت كثيراً. هي كانت تعلم بالمسافة بينها وبين الشارع، وهي اختارت أن تموت وألا يمسها أحدهم. كانت كريمة عصيَّة علي كل الرجال، لسببٍ وحيد: أنه لم يستطع أحدٌ أن يغصبها علي شئ. ولم يحظ أحدٌ باعجابها. كريمة كانت تعطي بحبّ لا مثيل له. لهذا لم يستطع أحدٌ أن يغصبها.