الاثنين، 14 نوفمبر، 2011

نَبتُ الأرضِ وابنُ السماء..



كمدخلٍ لفكر علي عزت بيجوفيتش,فإنه يمايز بين ثلاثة أنماط أو وجهات نظر متكاملة عن العالم هي:
1ـ نظرة دينية,وهذه تتمثل في الدين المسيحي.
2ـ نظرة مادية,وتلك تتمثل في اليهود,وما تلاها من فلسفات إلحادية مادية.
3ـ نظرة الإسلام,وفي نظرة هي النظرة الكاملة حيث تحتوي علي العنصرين الآخرين دون إفراطٍ أو تفريط.
 *****
القسم الأول:المقدمات.
الفصل الأول:الخلق والتطور.
داروين ومايكل أنجلو:
يمايز بيجوفيتش بين نظرة الدين والفلسفة المادية لقضية "أصل الإنسان" ,فبينما يري العلم"المادية"الإنسان كنتيجة لعملية تطور ابتداءاً من أول أشكال الحياة ,حيث لا يوجد فرق بين الإنسانِ والحيوان .يقول جون واتسون"إنه لا يوجد خطٌ فاصلٌ بين الإنسان والبهمية".
بينما الدين يري الإنسان وقضية الخلق ليست عملية بل هي فعلٌ إلهي .وليس مستمراً ؛إنما هو مفاجئ,إنه فعلٌ أليمٌ مفجع.
يري الماديون أن الإنسانَ حيوانٌ كامل..والفرقُ بين الإنسان والحيوان فرقٌ في الدرجة وليس في النوع ,وليس هناك جوهر إنساني متميز.
يقول أنجلز" إن الإنسانُ نتاجُ بيئته وعملهِ,وما خلق الإنسان إلا عمليه بيولوجية" ."إن الإنسان نظامٌ كغيرهِ من النظم الطبيعية يخضع للقوانين الطبيعية الحتمية".
في الفلسفة المادية يفكك الإنسانُ إلي أجزائِهِ التي تكونهُ ثم يتلاشي في النهاية.
*****
ينطلق علي عزت بعد ذلك لينظر إلي لوحات مايكل أنجلو في كنيسة"سكستين",وهنا يخرج بنتيجة حيث يقول"يقف العلمُ والفنُ علي طريق تصادمٍ قطعي ,فالعلمُ يحصي الحقائق التي تؤدي بطريقة عنيدةٍ إلي الإستنتاج  بأن الإنسان قد تطور تدريجياً من حيوان إلي إنسان".
يشير بيجوفيتش إلي أن الدين يري أن في الإنسان حيوانية ,لكن هناك فارق بين (حيوانية الدين,وحيوانية المادية )"فالدين يذهب إلي أن الحيوانية جانب من جوانب الإنسان .وإنما يكمن الفرق في مدي شمولية هذا الجانب .فطبقاً للعلم"المادية":الإنسانُ ليس أكثر من حيوان ذكي ,وطبقاً للدين:الإنسانُ حيوانٌ مُنِحَ شخصية ذاتية".
تظهر إزدواجية الإنسان عند بيجوفيتش(كما يتبني أيضاً إزدواجية الكون) ,تظهر الإزدواجية حين يقول"المعني المزدوج للأفكار المتعلقة باسم الإنسان ,هو نتيجة إزدواجية الطبيعة الإنسانية ,جاء أحد جانبيها من الأرض وجاء الأخر من السماء.عند بيجوفيتش تعبيرٌ عن الإنسان هو عنوان هذه المقالة"نبتُ الأرضِ وابنُ السماء".
يشير بيجوفيتش أن الماديين قد دأبوا علي توجيه أفكارنا تجاهَ الأشياءِ الخارجية.فاليد عند أنجلز ليست فقط هي التي تعمل ,وإنما هي نتاجُ ذالك العمل ,فمن خلال العمل اكتسبتِ اليدُ تلكَ المهارة والإتقان الذي أخرج لنا لوحات"رافيللو"وموسيقي "باجانيني".
وهنا يرد علي"إنما يتحدث عنهُ أنجلز هو استمرارية النمو اليبولوجي  وليس النمو الروحي .وفن التصوير عمل روحي وليس عملاً تقنياً .فقد أبدع"رافائيل"لوحاتهُ ليس بيدهِ وإنما بروحِهِ.وكتب"بيتهوفن"أعظم أعماله الموسيقية بعد أن أصيبَ بالصمم.إن النمو البيولوجي وحدهُ حتي لو امتد إلي أبدِ الآبدين,ماكان بوسعهِ أن يمنحنا لوحات "رافائيل",ولاحتي صور الكهوف البدائية التي ظهرت في عصور ما قبل التاريخ .هنا نحن أمام جانبين منفصلين من وجود الإنسان".
وبتلك العبارات السابقة أيضاً يدلل بيجوفيتش علي إزدواجية الإنسان.
هنا يحلل بيجوفيتش نفس الموقف بطريقةٍ غايةٍ في البساطة والروعة والتأمل ,إذ يقول"إن الكائن الإنساني ليس مجرد مجموع وظائفه البيولوجية المختلفة.كذالك الوضعُ بالنسبة للوحة الفنية ,ليمكن تحليلها إلي كمية الألوان المستخدمة فيها ,ولا القصيدة إلي الألفاظ التي تكونها .صحيح أن المسجد مبني من عددٍ محددٍ من الأحجار ذات شكلٍ معين وبنظامٍ معين ,ومن كمية محدودة من الملاط والأعمدة الخشبية ,إلي غيرِ ذالكَ من موادِ البناء ..ومع ذالك,فليست هذه كل الحقيقة عن المسجد,فبعد كل شئ هناك فرقُ بين المسجد وبين معسكرٍ حربي.
المثالية الأصلية:
يؤكد بيجوفيتش "إننا نقول أن الإنسان قد تطور,وهذا صحيح ,ولكنه يصدق فقط بالنسبة لتاريخه البشري الخارجي .الإنسان كذالك مخلوق ,وقد انصب في وعيه ليس فقط أنه مختلف عن الحيوان ,ولكن أيضا أن معني حياته لا يتحقق إلا بإنكار الحيوان الذي بداخله.
يبدأ علي في إبداء الفروق بين الإنسان والحيوان ,فبينما المبدأ الوجودي العام للحيوان هو "الكفاءة والمنفعة"فإن المبدأ الوجودي العام للإنسان ,يختلف عنهما..علي هذا النحو.
1ـ الكفاءة:
إن المجتمع الذي به مبادئ أخلاقية تُضعف كفاءة الإنسان ,إذ أن كل شئ يفعلهُ سيخضع لتلك المبادئ ,هنا يقول علي عزت"إذا كان لدينا نوعان من أنواعِ الكائنات علي درجة واحدة من الذكاء  ,فإن النوع الذي لديه مبادئ أخلاقية  سرعانَ ما ينقرض .ويعوض الإنسان عن قصورة في القوة ـ الناتج عن إلتزامه الخُلُقِي ـ تفوقه في الذكاء إلي جانب قدرات أخري مماثله.
يؤكد بيجوفيتش "بصفة عامة ليس في الإنسان شئ غير موجود أيضاً في المستويات العليا من الحيوانات والفقاريات  والحشرات.فهناك شعور وذكاء ,ووسيلة أو أكثر من وسائل  الاتصال ,وهناك الرغبة في إشباع الحاجات .لكن ليس في عالم الحيوان شئٌ ما يشبه ـ حتي ولو بشكل بدائي ـ الدين أو السحر الدرامي".وهنا محور إذ يقول علي"إن تطور الحيوانات قد يبدو منطقياً متدرجاً يسهل فهمه ,إذا قورن بتطور الإنسان البدائي  الذي تستحوذ عليه محرمات ومعتقدات غريبه.فالحيوان عندما يذهب للصيد ,يسلك سلوكاً منطقياً عقلانياً جداً.إنه لا يترك أدني فرصة متاحة إلا اقتنصها .هنا ,لا مجال للمعتقدات الخرافية أو ما يشبه ذالك"
يعبر بيجوفيتش عن دقة التنظيم في الحياة الاجتماعية التي تخلو تمامً مما نسمية بالإنسانية :كحماية الضعيف والمعوق,والحق في الحياةوالاهتمام.....إلخ,يعبر عن كل ذالك,بالنحل إذ"تعامل النحل أعضاء مجتمعها التي لا فائدة منها بقسوة بالغة,إذ ترميها خارج الخليه".
يباين بيجوفيتش بين الحيوان الذي يقاتل من أجل البقاء,إذ الحيوان يذهب للصيد عهندما يريد ذلك,وبين الإنسان البدائي الذي يخضع لطقوس معينه ..حتي زوجته في البيت تخضع لطقوس وقيود معينه إذا تخطئها ربما تفشل بعثة الصيد..باختصار الحيوان كائن عقلاني,والإنسان كائن غير عقلاني بالمرة,حتي ليقول علي عزت"علي هذا النحو كان الحيوان صائدا ممتازاً ,كذالك كان الإنسانُ البدائِي ,ولكنه كان في الوقتِ نفسهِ ,المخترعَ الذي لا يملُ ,صانع العباداتِ ,والأساطير والمعتقدات الخرافية ,والرقصات ,والأوثان .كان الإنسانُ دائِمَ التطلعِ إلي عالمٍ آخر ,عالم حقيقي أو متخيل .وليس هذا فرقاً في مراحل التطور ,وغنما هو فرقٌ في الجوهر.
إذن فإن المبدأ الوجودي الحيواني الأول يتباين مع المبدأ الوجودي الإنساني العام,فالكفاءة في الحيوان أقوي منها في الإنسان ,والعقلُ في الحيوان ـ من حيثُ هو عقلٌ مجرد ـ أكثر منه في الإنسانِ الذي تسيطرُ عليهِ معتقدات وخرافات ودين ومبادئ أخلاقية.
2ـ المنفعة:
يستشهد بيجوفيتش بقول"هـ .ج .ولز"في كتابه "التاريخ الموجز للعالم" ,حيثُ يقول:كان إنسان العصر الحجري الحديث عندما يحل موسم بذر البذور في الأرض,يعمد إلي تقديم تضحية بشرية,ولم تكن التضحية بشخصٍ قليل القيمة أو منبوذ  في المجتمع ,وإنما كان يختار عادة من بين أحسن الشبان أو الفتيات ,وكان يعامل باحترام إلي درجة العبادة...".
ويستشهد أيضاً بدراسات أخري تثبت وجود التضحية عند الإنسان البدائي "باللآلاف كل عامٍ في المكسيك",ويقرر عَلِي عَلَي حقيقة أن"وجدت التضحية في جميع الأديانِ بلا استثناء".
باختصار فإن الإنسان مبدأ من مبادئ وجوده العامه هو"التضحيه".
لذلك يقول بيجوفيتش"المنفعه ـ المصلحة ـ حيوانية ,أما التضحية فهي إنسانية ,التضحية هي إحدي المبادئ الساسسية في الدينِ والأخلاق" .
يقول بيجوفيتش"قارن بين تلك التضحيات التي كان يقدمها الإنسان البدائي,وبين الثعلب حينما يقعُ في المصيدة فيعض ساقهُ حتي يقطعها ليتمكنَ من الفرار .هذا عملٌ من اعمال العقلِ .أما ما يقومُ بهِ الإنسانُ البدائي من تمزيقٍ لجسمهِ ـ تضحيةً ـ فهو عملٌ لا معقوليةَ في .إنه سمه خارجه تمامً عن الإطار الحيواني".

*****
إن الفلسفة المادية التي تقول إن الإنسانَ هو ابن الطبيعةِ مخطئة في نظر بيجوفيتش إذ يتسائل"إذا كان الإنسانُ ابنٌ للطبيعةِ كما يقولون ,فكيف تسني لهُ أن يبدأَ في معارضةِ الطبيعة؟!".إنهُ يتسائل.
ويقولُ معقباً"إن الإنسانَ لا يسلك في حياتهِ كابنٍ للطبيعة ,بل كمغتربٍ عنها .شعورهُ الأساسي هو الخوف ,إلا انه ليس خوفا بيولوجياً كذلك الذي يستشعره الحيوان ,إنما هو خوفٌ روحيٌ بدائِي موصولٌ بأسرار الوجودِ الإنساني وألغازة.إنهُ خوفٌ ممتزجٌ بحبِ الإستِطلاعِ والإعجابُ والدهشةُ والنفور ,تلك المشاعر المختلطة التي تكمنُ,علي الأرجحِ ,في أعماقِ ثقافتنا وفنوننا كلها.
*****
يلازم بيجوفيتش بين الفن والدين والأخلاق عند الإنسان ويتسائل:لماذا لا يوجد عند الحيوان دينٌ وعبادات؟!.
بيجوفيتش لا يجد تفسيراً(عند الماديين) لظاهرة الحياة الجوانية عند الإنسان"والغير موجودة عند الحيوان"فهو يقرر"إن ظاهرة الحياة الجوانية أو التطلع إلي السماء ـ وهي نظرة ملازمه للإنسان غريبة علي الحيوان ـ هذه الظاهره تظل مستعصيةً علي أي تفسيرٍ منطقي ,ويبدو أنها نزلت من السماءِ"نزولاً حرفياً".ولأنها ليست نتاجاً للتطور ,فإنها تقف متعاليةً عنهُ مفارقةً لهُ".
ويعيد حقيقة ذكرها ـ هنري سيمل ـ يقول فيها"إن الحياة النفسية للإنسانِ البدائي لا تختلفُ إلا قليلاً جداً عن الحياة النفسية للإنسانِ المعاصر".
وأدرج مقولةً للشاعر السوفيتتي "فوزونسنسكي" يقول فيها"إن كومبيوتر المستقبل سيكون من الناحية النظرية قادراً علي عمل كل شئ يقوم به الإنسانُ فيما عدا أمرين:أن يكون متديناً وأن يكتب شعرا".
3ـ الجمال:
وكما برهن بيجوفيتش علي أن مبدأ الوجود الحيواني منافي لمبدأ الوجود الإنساني العام ,برهن أيضاً علي نوعٍ أخر من الإختلاف بين الحيوان والإنسان ,فكما أن الحيوانات ليست لديها فكرة عن المقدس أو الشر,فإنها لا تعلم شيئاً عن الجمال .والدراسات التي تشير أن القرود بإمكانها أن ترسم ,ثبت خطئها ,فممارسة القرود للرسم كان محاكاةً للإنسان.
علي العكس من الحيوان عرف الإنسان البدائي النقوش علي جدران المعابد والكهوف.وقد اكتشفت مجموهة من العلماء  آلات موسيقية ترجع إلي عشرين ألف سنه , بأوكرانيا.
يقرر علي عزت "إن رغبة الإنسانِ في تجميلِ نفسِهِ ,أقدم وأعجب من حاجته لتغطية جسمه وحمايته .هذه الحقيقة يمكن تتبعها من عصور ما قبل التاريخ حتي اليوم .فملابسنا ليست فقط للحماية ,إنها تعكس العصر الذي نعيشُ فيهِ والجماعة التي ننتمي إليها .لقد أصبحت أزياؤنا صوراً وشعراً".

"إن الدين والفن والأخلاق البدائية جميعاً ذات مصدر واحد :هو شوق الإنسان إلي عالمِ المجهول".
4ـ التمرد:
هكذا يمضي بيجوفيتش في التفرقةِ بين الإنسان والحيوان ,وكما أن الإنسان هو المضحي والذي يبحث عن العالم الأخر والذي يحب الجمال هو هو أيضاً الذي يتمرد"إن اختلاف الإنسان عن الحيوان يمكن أن يشاهد أيضاً في تمرد الإنسان ,فالحيوان لا يتمرد علي مصيره الحيواني .الإنسان وحده هو الذي يتمرد.إنه الحيوان الوحيد الذي يرفض أن يكون حيوانا".
اللعب:
"لقد اكتشف"يوهان  هُويزنجا" ظاهره أخري هي اللعب ؛فالحيواناتُ تلعب ,إلا أن وراء لعبها احتياجات بيولوجيه كاللعب الجنسي أو لتعليمِ الصغار ...وهكذا,إنه لعبٌ غريزي وظيفي .أما لعب الإنسان فهو لعبٌ حر ,لعبٌ غير ملتزم ,يتضمن دائماً وعياً باللعب مما يعطيه معني روحياً نم الجدية والرزانه,أو(استهداف مالا هدف لهُ)".
ينهي بيجوفيتش ذالك الإختلاف بين الإنسان والحيوان بتلك الحقيقة"حتي وقتٍ قريب ,كانت نظرية "داروين"تُعتبر هي التفسير النهائي لأصل الإنسان ,مثلما كان يعتقد أن نظرية "نيوتن" هي النظرية النهائيه بالنسبه للكون.ولكن لما اصبحت فكرة "نيوتن"الميكانيكية عن الكون مشكوكاً في صحتها ,كذالك أصبحت نظرية"داروين" عن الإنسان في حاجه إلي تجديد.فنظرية التطور لم تستطع أن تفسر بطريقة مقنعه ظهور التدين في الحياة البشرية .ولا وجود هذه الظاهره في العصور الحديثة.لماذا يصبح الناس نفسياً أقل شعوراً بالإكتفاءِ عندما تتوافر لهم متع الحياة المادية أكثر من ذي قبل ؟لماذا تزداد حالات الإنتحار  والأمراض العقلية مع ارتفاع مستويات المعيشه والتعليم؟ولماذا لا يعني التقدم مزيداً من الإنسانية أيضاً؟إن العقل ما إن يقبل برؤية"داروين"و"نيوتن" وهي رؤية محدده شديدة الوضوح يصعب عليه رفضها .فعالم"نيوتن" ثابت ومنطقي ودائم,وكذا إنسان"داروين"بسيط ذو بعدٍ واحد ,إنه يكافح من أجلِ البقاء,يُشبع حاجاته وأهدافه من أجل عالم وظيفي .لكن"أينشتين"هدم وَهمَ "نيوتن".كما ان الفلسفة التشاؤمية وإخفاق الحضارة يفعل الشئ نفسهُ بصورة الإنسان الدارويني".
"ليس الإنسانُ مفصلاً علي طرازِ داروين ,ولا الكون مفصلاً علي طراز نيوتن".هذه هي النهاية.
عبدالرحمن ناصر.
الإثنين.
14/11/2011م.
08:07ص.






السبت، 12 نوفمبر، 2011

نَبتُ الأَرضِ وابنُ السَّمَاء...



إنه علي عزت بيجوفيتش ,المفكر والقائد والسياسي والقانوني والفيلسوف الكبير,صاحب الفكر الراقي واللغة الأدبية الراقيه.
ولد علي عزت عام1925م ,في مدينة "بوسنا كروبا" البوسنية ,لعائلة عريقة في الإسلام ,درس القانون وعمل مستشاراً قانونياً لمدة خمسٍ وعشرينَ سنة ,ثم اعتزلَ وتفرغ للبحث والكتابة.
كان علي عزت متحدثاً لفرقةٍ مؤمنةٍ خافت علي دينها فأسست  حركة"ملادي مسلمين"أي"الشبان المسلمين",وكان لهذه الحركة دورُ كبير في الحفاظ علي الإسلام في تلك البلاد أبان الحكم الشيوعي..
أيام حكم تيتو ضيق الخناق علي بيجوفيتش ورفاقة ,وبموت تيتو عام1981م,انبلجت لهم الطرق وانبجستْ أحجارُ الظلام والاستبداد.
انطلق بيجوفيتش ورفاقة يحافظون علي الفكر الإسلامي من موجاتِ التغريب والتغيير,وكان لحركة "الشبان المسلمون"دورٌ خدمي إذ لم تقتصر علي الأنشطة الدينية وفقط ,إنما امتدت للأنشطة الإجتماعية والتكافلية ,وإبان الحرب العالمية الثانية كانت الحركة تقدم خدمات جليلة للناس من إيواءٍ وإطعام.
وصل بيجوفيتش إلي رئاسة البوسنة عام 1990م,وبعد تسلمه الحكم بعام ,أعلنت كرواتيا وسلوفينيا استقلالهما عن يوغوسلافيا,ودشن بيجوفيتش استفتاءً عاماً وشجع الناس فيه ليدلوا بصوتهم وجاءت النتيجة أن نعم للإستقلال,علي إثر ذالك قامت القوات الصربية بحربٍ شنعاءَ ضروس علي البوسنة .
مما زاد من الألم سكوت المجتمع الغربي والإسلامي عما يحدث هناك,وكان لا بد من عملِ شئ.وكان رجل الساعة هو علي عزت بيجوفيتش,إذ أقامَ جيشاً من المدنيين قوامُهُ 200,000 جندي,واستطاع أن يحرز  انتصارات نسبية وأن  يكلف الصرب خسائر فادحة مما جعل"سلوبودان ميلو سفتش"رئيس صربيا يؤنب قواده قائلاً" لو أن جيش المسلمين هذا لديه مثل ما لديكم  من سلاح لرأيناهم اليوم في بلجراد".
من المواقف المبكية والمفرحة معاً,التي تشعركَ بالقشعريرة حين تقرئها أو تسمعها ,ذالك الموقف:
 سُئِلَت ابنتهُ"سابرينا"مرة:ماذا يفعل الرئيس عندما تبدأ الغاراتِ الصربية ؟"فقالت:"إن أول ما يفعلهُ أبي أن يقف حتي يطمئن أننا جميعا قد نزلنا أسفلَ  العمارة نتحصن هناك من الشظايا ,ثم يذهب هو إلي مكتبهِ فيجلس وحيداً يقرأ القرآن حتي تنتهي الغارة".
رحم الله بيجوفيتش,قال عنه مترجم كتابه "الإسلام بين الشرق والغرب": منذ توليه رئاسة الجمهورية لم ينتقل  إلي القصر الجمهوري ليسكن فيه ,وإنما بقي مقيماً في شقتهِ المتواضعةِ بإحدى عمارات سراييفو مع جيرانه السابقين ,و يأبى أن يختص بطعام و شعبه يتضور جوعاً ,فكان يشارك جيرانه فيما يقدم إليهم من طعامٍ متواضع,يَأتيهم ضمنَ مواد الإغاثة الدولية.ورفض علي عزت تعليق صورته في الشوارع أو الإدارات والمكاتب. وكل الذين زاروا العاصمة سراييفو وغيرها من المناطق لم يشاهدوا صورة واحده معلقة لرئيس الجمهورية.
رحم الله بيجوفيتش,أحسبه من الذين قال الله فيهم"من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً",أقول أحسبه ممن قضي نحبه,وليس علينا "أو عَلَيَّ علي الأقل"إلا أن أحيي فكرة داخلي وفي قلبي.وأن أدعو الله أن أكون ممن ينتظر,المذكورون في الآيةِ الكريمة.

تنويهٌ بسيط:هذا المقال,بدايةُ سلسلةِ مقالاتٍ أنقلُ بها فكر أستاذنا علي عزت بيجوفيتش إلي كل من أراد أن يقرء لَهُ أو عنه.سائلاً الله أن يعينني علي ذالك.
رحمة الله عليه.
عبدالرحمن ناصر.
12/11/2011م.
السبت.
11:35م.