الاثنين، 21 مايو، 2012

الحَلاَّجْ...!


بداية:
الحلاجُ هو أحد الشخصياتِ الهامة في التاريخِ الإسلامي عامة ,وتاريخ الصوفيةِ خاصة ,وقد قتلَ وصلب ,وحرقت كتبه وتجاهله المؤرخون وأسقطوه ,ولم يثر الإهتمامُ به إلا منذُ نحو قرن علي يد المستشرق ماسينيون .وقد نشر أول بحثٍ عنهُ عام1909م تحت عنوان"عذاب الحلاج والطريقة الحلاجية"..يعني أننا كعرب وكمسلمين لم نحفل بالرجل لمدةِ أحد عشر قرناً .وهو من الشخصياتِ الحائرةِ التعبةِ والمتعبة ,أضناها البحثُ و التطوافُ ,وأسرها الوجدُ والشوقْ..
هو الحسين ابن منصور الحلاج ,ولد عام244هـ ,ببلدة الطور بخراسان بإقليمِ بفارس.كان أبوه حلاجاً وعمل هو بها وقتاً ومن هنا كانت كنيته .أبوه كان فارسياً ويقال انه كان مجوسي الأصل.
تزوج الحلاج من أم الحسين بنت أبي يعقوب الأقطع البصريّ ,وظلت زوجتهُ الوحيدة طوال العمر( وهو موقفٌ صوفيّ يعتبرُ المرأة شريكة الرجل ومساويةً لهُ ,وليس له أن يتزوج غيرها إذ يصيرانِ كياناً واحداً متوحداً),و أنجب منها ثلاثة أولاد وابنة.
حفظ القرآن صغيراً وتبحر في العربية حتي نسي الفارسية.قابل في شبابهِ الكثيرَ من أعلامِ المتصوفةِ في عصره ومنهم سهل التستري"ويُذكرُ أنه أخذ خرقته الصوفية منه" و الجنيد و أبو عمرو المالكي ,انفصل عنهم وراح يدعو لدعوتهِ ,وقد اختلفَ مع الصوفيةِ . ويقال أنهُ خلعَ الخرقة وراح يدعو لمذهبه .
ومما يؤخذُ علي الحلاج ,أنه لم يكتم ما بينه وما بين الله علي طريق المتصوفة بل باح به ,وهو ما كانَ سبباً لمقتلتهِ الشنيعة .أليس هو القائل:
أنا من أهوي ومن أهوي أنا***نحن روحان حللنا بدنا .
فإن أبصرتني أبصرتهُ***وإن أبصرتهُ أبصرتنا.

                              *****
ومن قراءتي شخصية الحلاج من مصادر متعددة ومن مناظير مختلفة يمكن القول بأن الحلاج قد انتحي في حياته ثلاث قيم أو تجلت شخصيتهُ ثلاث تجليات ,وليست علي سبيلِ الحصرِ,وإنما علي سبيل أنهن الأهمُ في حياته (الجهاد ,الزهد ,التضحية).
1ـ الجهاد:وكان الحلاج قد ارتحلَ في شبابه إلي الأطراف الشمالية لبلاد المسلمين ورابط علي ثغور المسلمين هناك.
وأما النوع الآخر من الجهاد فهو مراسلته لكثيرٍ من أئمة التشيع والباطنية من المناوئين للنظام العباسي الحاكم."وهو ما نرجحهُ سبباً لمقتلته".
وأما النوع الثالث من الجهاد فهو  جهاد النفس وفي هذا الأمر ,يروي ابن الأثير في تاريخ الكامل:
"...كانَ قدم من خراسان إلي العراق وسار إلي مكة  فأقام بها سنةً في الحجرِ لا يستظل تحت سقف شتاءً ولا صيفاً ,وكان يصومُ الدهر فإذا جاء العشاءُ أحضر له القوام كوز ماءٍ وقرصاً فيشربه و يعض من القرصِ ثلاث عضات من جوانبها ,فيأكلها ويترك الباقي فيأخذونُ ولا يأكل شيئاً أخر  إلي الغد آخر النهار.وكان شيخ الصوفية يومئذ بمكة عبد الله المغربي فأخذ أصحابه ومشي إلي زيارة الحلاج  فلم يجدهُ في الحجر ,وقيل له"قد صعد جبل قبيس" فصعد إليه فرآه علي صخرةٍ حافياً مكشوف الرأس والعرق يجري منه إلي الأرض , فأخذ أصحابه ,وعاد ولم يكلمه ,فقال:هذا يتصبر ويتقوي علي قضاءِ الله سوف يبتليه الله بما يعجز عنه صبره وقدرته"...
2ـ الزهد : وفي روايتنا ما قاله عنه ابن الأثيرِ كفاية .إلي ما روي عنهُ من تركِ الدنيا"بمعني المال,لا معني السياسة ومشاربها".
3ـ التضحية: وهذا ما جعلهُ في نظر الكثير من الباحثين والدارسين شبيهاً بالمسيحِ عيسي ,وهو الذي قال حين همَّ الناسُ بقتله"اللهم هؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصباً لدينك ,وتقرباً إليك ,فاغفر لهم فلو كشفت لهم ما كشفتَ لي ما فعلوا ما فعلوه".
إنهُ إنسانٌ مضحٍ يجهشُ بالتضحية وهو الذي قال للناسِ يوماً في جامع المنصور "وهو الجامع الذي ألقي رماد جسده منه فوق صفحة نهر دجلة" ,قال"اعلموا أن الله قد أباح لكم دمي فاقتلوني ,اقتلوني تؤجروا واسترح . .اقتلوني تكونوا أنتم مجاهدين وأنا شهيداً".
إذن هذا هو الحلاج..
أعدم الحلاج عام309هـ ,بعدما أعدَّ له وزير المقتدر "حامد بن العباس"محاكمة صوريةً كان العقابُ جاهزاً قبلها,وأدارها أحد القضاة المتقربة للحكام ,وبعد أن وضعوا لهُ شهوداً من عندهم ,وبعد أن قال قولته(ظهري حمي ,ودمي حرام ..وما يحل لكم أن تتهموني بما يخالف عقيدتي ومذهبي السنة ,ولي كتبٌ في الوراقين تدل علي سنتي .فالله الله في دمي).
وبهذه الجملة الأخيرة يبطلُ شرعاً ما أخذوه عليه إذ لو أنه قد كفر وأشرك فتلك المقولة تعيده لحظيرةِ الرب وديانةِ الإسلام ,لكن كان قد سبق السيفُ العذل ,وصلبوهُ ثلاثة أيام علي جذعِ نخله بعدما ضرب ألفَ سوطٍ فما تأوَّه ,وضربوا قدميهِ ويديهِ ,و أطاروا رأسه ,وحرقوا جثتهُ وذروا رماد جسدهِ علي صفحةِ دجلة ,وعلقوا رأسهُ أياماً ,حتي يصير عبرة..
وفي السطور القادمات ,نحاولُ أن نتلمسَ شخصية الحلاجِ في ضوءِ صوفيته العميقة وروحه الشاعرة,وشخصيتهِ المضحيةِ الباذلة,فالله المستعانْ.وهو المقصودُ والمقصد.ومن ثَمَّ الحَقّ ,فما ثَمَّ فوقُ"رحم الله الحلاج".
ولا يتِمُّ لنا تلمُّس هذه الروح القلقة إلا إذا نظرنا بأعيننا المتشوقة من نافذةِ التاريخ ,وفي ضوء هذا نلقي نظرةً علي عصرِ الحلاج.
الظروف السياسية:
نشأ الحلاج في القرن الثالث الهجري,في نصفهِ الثاني وهو عصرٌ فيهِ من التموجاتِ السياسيةِ ما فيه,ومن الفسادِ ما فيه .
في هذا النصف من القرن الثالث الهجري ظهرت القومية الفارسية كأظهر وأقوي ما تكون ,فلم تكتفِ فقط بالنياشينِ والولاةِ وقادة الجيوش,وإنما تطلعت القومية الفارسية لهدم هذه الخلافة العجوز الشائهة وإقامةِ دولتهم علي أنقاضها.
فهذا يعقوبُ بن ليثٍ الصفار قد أقام دويلة فارسية في سجستان ,ولم يلبث أن استولي علي خراسان  وطبرستان و جرجان..لم يكتف بهذا فقط ,بل إنه تطلع نحو بغداد ليجعلها عاصمة ملكة ,واستطاع أن يرغم الخليفة الهزيل"المعتمد"علي توليتهِ شرقي بغداد.
كان الصفار يأبي أن يمدحه الشعراء بالعربية ويقولُ لهم:كيف تمدحونني بلغةٍ لا أفهمها ,واستدعي الشعراء الفرس ليكتبوا له قصص الأولين من ملوك الفرس,ونقل ديوان الإنشاء من العربية للفارسية.
لم تتمكن الخلافة العباسية الهزيلة من مقاومة الصفار ودولته وإنما اختفت تلك الدولة علي يد السامانيين ,واختفي السامانييون علي يد آل بويه.
في عام 334هـ تم اقتحام بغداد وفرض النفوذ علي الخلافة .
وما حادثة ابن المعتز"خليفة اليوم الواحد"عنا ببعيد.
كما تمكن عبدالله ابن ميمون القداح من بناء تنظيم سري سياسي وعسكري ,وفي عام260هـ ,عهد ابن قداح لأحد أتباعه"حمدان قرمط".وكان القرامطة وكانت ثورة الزنج ,وكانت هبة القرامطة الذين اجتاحوا الكعبة وأخذوا الحجر الأسود وأخفوهُ ثلاثين عاماً."حدثت هذه الحادثة,بعد موت صاحبنا بتسع سنوات ,وكانت من ضمن الاتهامات الموجهةِ له كونه قرمطياً يدعو لمذهبهم".

الظروف الاجتماعية:
ساد التخلفُ والفقرُ والقهرُ ,مضي تحصيلُ الجباية والخراج بنظام الالتزام ,وهو نظامٌ خانقٌ للشعبْ.
بالنسبةِ للجيش تفرق الجيشُ وصار فرقاً من مغاربة وتركَ و ديلم وفرس,وبذلك انقسمت الكتائب وانتشرت القومية داخل الجيش,مما دفع الدولة لإنفاقِ أموالٍ عظيمة لاسترضاءِ هؤلاءِ وأولئكْ.
يقول الجهشياري صاحب"الوزراءِ والكتاب":
"...وإن نظرة واحدة لعصر المقتدر وما كان من تسلط النساء والغلمانِ علي شئون الدولة وما توالي علي ديوان الخلافة من وزراء ,وما كانت تجره تولية كل وزير من تغيير العمال في أنحاء الدولة ,وما يتبع ذلك من إطلاق أيدي الحكام في الناس ,يصبون عليهم المظالم,ويرهقونهم بطلب الأموالِ بغير نظام ,مما أدي إلي قيامِ الفتن والثوراتِ في كل ناحية ".
وقد توالي علي خلافة المقتدر البالغةِ"25عاماً"أربعة عشر وزيراً .وكان السبب الرئيس في كثرة الوزراء هو المال,فمن يرضي نهم أهل القصر في الأموال,يقلده الخليفة الوزارة,وقد بلغَ هذا المقتدرِ من الفسقِ أن كان يبيعُ منصب الوزارةِ للأعيانِ ,بما يتعهدُ به أحدهم من الأموال,فإذا نصبهُ وزيراً أذن له في مناظرة الوزير السابق,فيأخذ منه الأموال التي أخذها عنوةً ,ويطالبهُ بأكثر منها ,فيأخذ من حاشيته ومن أهلِ بيته.
نستطيعُ من هذهِ الطَّلةِ السريعة استلماحَ الأحوال الاجتماعية حينها,وكيف تفشي الفسادُ والسرقة.

أنا الحقّ ,"علي صورتهِ"..

اشتهر الحلاجُ بقولتهِ "أنا الحقّ"وقد نظمها فقال:
أنا الحقُّ والحقُّ للحقِ حقُّ ***لابسٌ ذاتهُ فما ثَمَّ فَوقُ.
وقد حاول دارسونَ ومتصوفة تحليلَ مقولاتِ الحلاجِ وأبياته ,وقد حاول الكثير تفسيرَ هذه القولة الآنفة ,ومن هؤلاء المستشرق نيكلسون .
وفي رأيهِ أن قولة الحلاج"أنا الحقُّ"لم تكن صرخة شطح ,وإنما هي تلخصُ نظرية فلسفية كاملة في الإلهيات منصبغة بصبغة صوفية.فكلمة "الحقّ"يستعملها الصوفية عادةً للدلالة علي الخالقِ في مقابلةِ كلمة"الخلق"التي يراد بها المخلوقات أو العالم.فقوله"أنا الحقّ" معناهُ أنا الحق الخالق.
وثم يعرض الأستاذ نيكسلون ثلاث قطع يدلل بها علي رأيه,منها هذا النصّ:
"تجلي الحق لنفسهِ في الأزل ,قبل أن يخلق الخلقَ وقبل أن يعلم الخلق ,وجري له في حضرة أحاديثه مع نفسه حديث لا كلام فيه ولا حروف,وشاهد سبحانهُ ذاته في ذاته ,وفي الأزل ـ حيث كان الحق ولا شئ معه ـ نظر إلي ذاته فأحبها وأثني علي نفسه ,فكان هذا تجلياً لذاته في ذاته في صورة المحبة المنزهة عن كل وصف وكل حد ,وكانت هذه المحبة علة الوجود والسبب في الكثرة الوجودية ,ثم شاء الحق سبحانه أن يري ذلك الحب الذاتي ماثلاً في صورةٍ خارجية يشاهدها ويخاطبها .فنظر في الأزل,وأخرج من العدم صورة من نفسه لها كل صفاته وأسمائه هي آدم الذي جعلهُ الله علي صورتهِ أبد الدهر ,ولما خلق الله آدم علي هذا النحو عظمهُ ومجده واختاره لنفسه ,وكان من حيث ظهور الحق بصورته فيه و به هو هو".
يقول الحلاج:
سبحان من أظهر ناسوته *** سرّ سنا لاهوته الثاقب.
ثم بدا لخلقهِ ظاهراً ***في صورة الآكلِ الشارب.
حتي لقد عاينهُ خلقه *** كلحظةِ الحاجبِ بالحاجبْ.

وحدة الوجود:
قيل أن الحلاج يقول  بوحدة الوجود.وقد روي عن إبراهيم بن عمران النيلي  أنه قال": سمعت الحلاج يقول: النقطة أصل كل خط، والخط كله نقط مجتمعة. فلا غنى للخط عن النقطة، ولا للنقطة عن الخط. وكل خط مستقيم أو منحرف فهو متحرك عن النقطة بعينها، وكل ما يقع عليه بصر أحد فهو نقطة بين نقطتين. وهذا دليل على تجلّي الحق من كل ما يشاهد وترائيه عن كل ما يعاين. ومن هذا ُقلت: ما رأيت شيئاً إلاّ ورأيت الله فيه".
فسر البعضُ هذا القول بأن الحلاج يقولُ بوحدةِ الوجودْ.
الحلول والإتحادْ:

"ما وحدَّ الله,غيرُ الله".
"يا اله الآلهة ,يا رب الأرباب ,ويا من لا تأخذهُ سنةٌ ولا نومْ ,رُدَّ إليَّ نفسي لئلا يفتتنَ بي عبادكْ ,يا هو أنا وأنا هو ,لا فرقَ بين أنيتي وهويتك إلا الحدثُ والقدمْ".
إذن فالحلاجُ يؤمنُ بالحلولِ والإتحاد ,من هذه النصوصِ يؤخذُ هذا.
إلا أن هنا يظهر تناقض الحلاج ,فهو وإن كان في جملهِ ونصوصهِ يؤمن بالحلولِ و الامتزاج ,فهناكَ نصوصٌ أخري للحلاجِ أيضاً تثبتُ له قولهُ بالحلول وتنفي الامتزاج.يقول الحلاج:
"من ظن أن الإلهية تمتزجُ بالبشرية ,والبشرية بالإلهية فقد كفر ,فإنه الله تعالي تفرد بذاته وصفاته  عن ذوات الخلق وصفاتهم ,ولا يشبههم بوجهٍ من الوجوهِ,ولا يشبهونه".
وهو الذي يقول:
"وكما أن ناسوتيتي مستهلكةٌ في لاهوتيتك ,غيرُ ممازجةٍ لها ,فلاهوتيتك مستوليةٌ علي ناسوتيتي ,غير ممازجةٍ لها".
إننا إزاء تناقُضٍ صريحٍ واضحْ..
وللباحثينَ آراءُ في هذا ,نسوقُ منها قول التفتازاني من أن الحلاجَ كان خضعاً للفناء(الفناءُ هو المقامُ السابعُ والأخير عند الصوفية فينطق عن أحواله المختلفة فيه بعباراتٍ مختلفة ,وهو لم يكن صاحب نظرٍ منطقي أو مذهب فلسفي متسق بمعني الكلمة حتي يتفادي هذا التناقض ,ويميلُ إلي أن الحلول عند الحلاج مجازي وليس حقيقي ,ويستشهدُ بمقولةٍ نقلها السلمي عن الحلاج يقول فيها"ما انفصلت البشريةُ عنهُ ولا اتصلتْ به".
أقول ,إنهُ بهذا يقولُ بثنائيةِ الإنسان ,أو ما كان يطلقُ عليه علي عزت بيجوفيتش(1925 ـ 2003م).الوحدة ثنائيةُ القُطبْ..إن الإنسانَ متصلٌ باللهِ بحكمِ النفخِ من روحهِ فينا"ثم نفخ فيه من روحه",.منفصلٌ عنهُ بحكم بشريتهِ وألوهيةِ الله..
وربما مما سبب هذا الإشكالُ ,العامل الزمني ,فما قالهُ الحلاجُ في شبابهِ قد يتاقضُ ما يقولهُ في كهولتهِ أو كِبَرِه ,مما يحصلُ مع المفكرينَ والكتابَ عامةً.
وهو ما يشيرُ إليهِ في نصه"أيها الناسُ إنه  ـ أي الله ـ يحدثُ الخلقَ تلطفاً فيتجلي لهم ,ثم يستتر عنهم تربية لهم ,فلولا تجليهِ لكفروا جملة ,ولولا سترهِ لفتنوا جميعاً ,فلا يديم عليهم إحدي الحالتينِ,لكن ليس يُسترُ عني لحظَةً فاستريح ,حتي استهلكت ناسوتيتي في لاهوتيته ,وتلاشي جسمي في أنوار ذاته ,فلا عين ولا اثر ,ولا وجه ولا خبر".
لقد كان الحلاجُ حائراً ,مُتعباً ,منهكَ الروحِ خائرَ الجسد ,وقد كان يناجي مولاهُ قائلاً"أسألك يا ربي بنور وجهك الذي أضئت به قلوب العارفين ,وأظمئت منه أرواح المتمردين ,وأسألك بقدسك الذي تخصصت به عن غيرك ,وتفردت به عمن سواك ,ألا تسرحني في ميادين الحيرة ,وتنجيني من غمراتِ التفكر , وتوحشني عن العالم . .وتؤنسني بمناجاتك يا أرحم الراحمين".
إنهُ نفسُ الحائر ,هو أيضاً الناقم ,الذي يقولُ عن الله:
ألقاهُ في اليمِّ مكتوفاً وقالَ لهُ  *** إياكَ إياكَ أن تَبْتَلَّ بالمَاءِ.
فالإنسانُ في هذهِ الدنيا مُلقَيً ,تقتلهُ أفكارهُ , و تميتهُ تأملاته ,تنثرهُ الحيرةٌ فوقَ ضِفافِ دجلة ,تحرقهُ كلماتهُ و مواجدهُ وتقطعُ يديهِ ورجليهِ ,تصلبهُ علي جذعِ النخلةِ ثلاثة أيام ,تجلدهُ شطحاتهُ ألفَ سوطٍ فما يَتأوَّهْ...!
رحماكَ يا حَقّ بهذا الضعيفِ الذي حللتَ فيه...
الحلاَّج والتَّشَيُّعْ..


ذكرنا في الظروفِ السياسيةِ في  عصر الحلاج ,أن القرامطة كانوا قد استفحل أمرهم ,وكثرت تحركاتهم ,وكذلك أئمةُ الباطنية ,ومعلومٌ أن أهلَ الدعوةِ لملكٍ أو خلافة يدعون لدعوتهم سراً فإذا انبلجت لهم دعوا إليها جهراً,وهكذا قامتِ الدولة العباسية,والداعي إليها سراً علي ما أذكرُ هو"عليّ بن عبدالله بن عباس".
ومذكورٌ في الكثيرِ من الكتب التاريخية أن الحلاجَ كان يراسِلُ أئمةَ الباطنية ولهُ كلامٌ يشبهُ كلامهم,لكن لكي نحكم عليهِ بأنهُ شيعيّ ,علينا أن ندرس أفكاره بتتالياتها الزمانية والمكانية .وهذا يتطلبُ وقتاً وجهداً كبيراً,ربما يكونُ من نصيبنا في يومٍ ما.شرفَ هذا المبحث.
إلا أن الدكتور كامل مصطفي الشيبي قد درس الحلاج وخرج بتلك النتيجة أنه كان شيعياً باطنياً.
ويأتي الدكتور الشيبي بقولةِ الحلاج"ما تمذهبتُ بمذهبِ أحدٍ من الأئمة جملة ,وإنما أخذتُ من كلِّ مذهبٍ أصعبهُ وأشده ,وأنا الآن علي ذلك".وقد روي الإصطخري أن كثيراً من عليةِ القومِ رأوا في الحلاجِ ذلك الرئيس الملهم بالنسبة للباطنية الإسماعيلية.
أقول:وكلُّ هذا ليس سبباً يستدعي السلطة أن تقتله هذه القتلة المريعة ,إذ أنهُ في آخر محاكمةٍ لهُ قالَ بالنَّصِّ الصريحِ الوَاضِح"أعوذ باللهِ أن أدعي الربوبية أو النبوة وإنما أنا رجلٌ أعبُدُ الله وجل ".
يقول ابن الأثير معقباً:
"...فأحضرـ يعني حامد بن العباس وزير المقتدر ـ حامد القاضي أبا عمرو ,والقاضي أبا جعفر بن بهلول.وجماعة من وجوهِ الفقهاءِ والشهودِ فاستفتاهم فقالوا:لا يفتي في أمرهِ بشئ إلا أن يصح عندنا ما يوجبُ قتله ولا يجوز قبول قول من يدعي عليهِ ما ادعاه إلا ببينةٍ أو إقرار ".وهذا كانَ رأي ابنُ سريج الفقيه الشافعي العظيم,من أنهُ لا يجوزُ أن نعاقبَ علي تفاصيلِ العباداتِ بين العبدِ وربه ,وأنه ليس لنا إلا الظاهرُ وفقط.

إبليسُ وفرعونْ..


والحلاجُ لا يكرهُ فرعونَ وإبليس ,فهو يدافعُ عن موقفِ إبليسُ من عدمِ السجودِ لغيرِ الله ,وإن كان الأمرُ من الله ,وإن كان المسجودُ له هو خليفتهُ في الأرضْ.
فإبليسُ عصا الأمرُ الإلهي لمعرفتهِ بأن السجود لا يكونُ إلا لله , وحده.
فلما قالَ تعالي:أعذبك عذاب الأبدية ,قال:أولستَ تراني في تعذيبك إياي.؟!قال:بلي!"فرؤيتك إياي تحملني علي عدم رؤية العذاب".وروي عن الحلاج أنه لما أنكر موسي علي إبليسُ عصيانهُ ربه ,وقال له"تركتَ الأمر؟"قال"كان ابتلاءً لا أمراً"يريد كان اختباراً لحبهِ لله ,فكأن إبليسُ ـ في نظر الحلاج ـ قد أجاب الله بقوله"جحودي لك تقديس".
لكنهُ ـ الحلاج ـ يأخذُ علي إبليسُ عدم امتثالِهِ لله تعالي ,رغم كل شئ ,ورغم تعاطفهِ لجحوده وإشفاقهِ عليه .
وكأن الحلاج أدركَ هذه الثنائية الرهيبة المقلقة ,فتجلت معرفتهُ تلك في شعره:
ألقاهُ في اليَمِّ مكتوفاً وقالَ لهُ *** إياكَ إياكَ أن تَبْتَلَّ بالماءِ!.

رأيٌ للغزالي:
للإمام أبو حامد رأيٌ في الشطحاتِ اللاإرادية للمتصوفة.وهو رأيٌ طويلٌ لكنهٌ مهم ونفهم من خلالِ تفسيراً طيباً لتلكَ الشطحاتِ للحلاجَ وغيرهُ من المتصوفةِ الكبار ,كابن عربي و البسطامي غيره.
يقولُ في"مشكاةِ الأنوار":
"والعارفونَ بعد العروجِ إلي سماءِ الحقيقة اتفقوا علي أنهم لم يروا في الوجودِ إلا الواحدُ الحقّ ,لكن منهم من كان لهُ في هذه الحالة عرفاناً علمياً ,ومنهم من صار له ذلك ذوقاً وحالاً ,وانتفت عنهم الكثرةُ بالكلية ,واستغرقوا بالفردانية المحضة ,و استهوت فيها عقولهم ,فصاروا كالمبهوتينَ فيه ,ولم يبق فيهم متسعٌ لذكر غير الله ,ولا لذكر أنفسهم أيضاً ,فلم يبق عندهم إلا الله فسكروا سكراً وقع دونه سلطان عقولهم ,فقال بعضهم"أنا الحق" ـ مشيراً للحلاج ـ ,وقال الآخر"سبحاني ما أعظم شاني" ـ يقصد البسطامي ـ وقال الآخر "ما في الجبةِ إلا الله" ـ يقصد الحلاج ,وقيل ابن عربي".
"وكلامُ العشاقِ في حال السكر يطوي ولا يحكي ,فلما خَفَّ عنهم سكرهم ,وردوا إلي سلطانِ العقل ,الذي هو ميزانُ الله في أرضهِ ,عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الإتحاد ,بل يشبهُ الاتحاد ,مثل قول العاشقِ في حالِ فرطِ العشق:
أنا من أهوي ومن أهوي أنا *** نحنُ روحانِ حللنا بَدَنَا.
"فلا يبعدَ أن يجفأُ الإنسانَ مرآةً فينظر فيها ,ولم ير المرآةَ قَطّ ,فيظن أن الصورة التي رآها في المرآة متحدةٌ بها ,ويري الخمر فيظن أن الخمرة لون الزجاج فإذا صار ذلك مألوفاً ,ورسخ فيه قدمه واستغرقه فقال:
رَقَّ الزجاجُ وراقتِ الخمرُ *** وتشابها ,فتشاكلَ الأمرُ.
فكانما خمرٌ ولا قدحٌ *** وكأنما قدحٌ ولا خمرُ.
"وفرق بين أن يقال :الخمر قدح..وبين أن يقال كأنه القدح..وهذه الحالة إذا غلبت سميت بالإضافة إلي صاحب الحال فناء ,بل فناء الفناء ـ يقصد المقام السابع عند الصوفية وهو الفناءُ في الله ـ لأنه فني عن نفسه ,وفني عن فنائه ,فإنه ليس يشعر بنفسهِ في تلكَ الحالْ ,ولا بعدم شعورهِ بنفسه ,ولو شعر بعدمِ شعوره بنفسه لكان قد شعر بنفسه وتسمي هذه الحالة بالإضافةإلي المستغرق فيها بلسانِ المجازِ اتحاداً ,وبلسانِ الحقيقةِ توحيداً ,ووراءِ هذه الحقائِقِ أيضاً أسرارُ لا يجوزُ الخوضُ فيها".
وأمامَ العبارةِ الأخيرةِ للإمام نتمعنُ ونتفهم ,إذ ما حدثَ للحلاجِ يسمي مجازاً اتحاداً ,ويسمي حقيقةً توحيداً ,وتلكَ الشطحاتُ يكونُ فيها الصوفي تحت تأثير الوجدِ والعشق ,وهو فانٍ ,مبهورٍ عن نفسهِ بسرِّ الجلالِ الإلهيّ.
ليس هذا فحسب ما استوقفني ,إنما قولة الإمام",ووراءِ هذه الحقائِقِ أيضاً أسرارُ لا يجوزُ الخوضُ فيها".
أي أننا أيضاً لا نستطيعُ أن نحكمَ علي الحلاج"أو غيره"ممن أسكرهم الوجد ,أقولُ لا نستطيعُ أن نحكم عليهم بمقاييسنا ,إذ أنهُ يكونُ قياساً  مع الفارق ,غير منطقي .إنهُ قياسٌ بمقياسِكَ أنتْ ,عن شئٍ أنتَ لم تجربهُ ولم تدخل حتي في المقامِ الأولِ من مقاماتهِ السبعة ,وهو"التوبة".



إعدامُ الحلاج...

بعدما قضي الحلاجُ حياتهُ هائماً سائحاً في أرضِ الله ,بين الهند وفارس ومكة وبغداد ,وبقاعِ الأرض الإسلامية ,عادَ إلي بغداد,وقد صاحَ في الناسِ بجامع المنصور"اعلموا أن الله تعالي أباح لكم دمي فاقتلوني ..اقتلوني تؤجروا واسترح ..اقتلوني تكونوا أنتم مجاهدين وأنا شهيداً".
أعدتِ الدولةُ عدتها ,وكان الوزير حامد بن العباس قد أعد العدة وتربص بالحلاج ,خاصة أن األخبار كانت قد نقلت إليه أن الحلاج يراسلُ أئمة الباطنية والقرامطة ,وأنهُ يراسلُ بعض أهل القصر ومنهم حسن الحاجبِ وغيره .
انعقدتِ الجلسةٌ برئاسة القاضي أبي عمر الحمادي ,ونودي علي الحلاج ,وسئل عما اتهم به من انهُ إله ,وأنه يحيي الموتي ,وان الجن يخدمونه ,وانه يعمل ما أحب عن طريق المعجزات ,فانكر التهمة ,وقال:
ـ أعوذ بالله أن أدعي الربوبية أو النبوة .. وإنما أنا رجلٌ أعبدُ الله و أكثر الصلاة والصوم وفعل الخير.
عندئذٍ استدعتِ المحكمةُ  شهود وسئل الشاهد الأول:
ـ هل تعرف الحلاج..؟
ـ نعم  و أعرف أصحابه ,و أنهم متفرقون في البلاد يدعون إليه ,وإني شخصياً كنت ممن استجابوا له ,ثم تبين لي مخرقته ففارقته ..وخرجت عن جماعته ,وتقربت إلي الله بكشف أمره.
ثم استدعوا شاهداً آخر ,كانت امراة جميلة تدعي بنت السمري ,وقالت انه زوجها ابنهُ ,وأنهُ قد غشيها فلما استيقظت من وقتها قال:جئتُ أوقظكِ للصلاة.
وقالت:أصبحتُ يوماً وأنا أنزلُ من السطحَِ إلي الدار ,ومعي ابنته ,فلما نزلنا إلي حيث يرانا ونراهُ ,قالت لي ابنته:اسجدي له!فقلتُ لها:أو يسجد أحدٌ لغير الله؟فسمع كلامي لها,فقال:نعم ..إله في السماء ,وإله في الأرض !ودعاني إليه ,وأدخل يده في كمه  و أخرجها مملوءة مسكاً ,فدفعه إلي ,وفعل ذلك عدة مرات ,ثم قال:اجعلي هذا في طيبك ,فإن المرأة إذا حصلت عند الرجل احتادت إلي الطيب ,ثم أمرني أن أخلع بلاطة في زاويةِ الدار ,فوجدت تحتها دنانير كثيرة ملء البيت فأخذتُ منه شيئاً.
ـ هل عند شئٌ أخر.
ـ لا ,هذا كل ما عندي.
قال أحد القضاة ,أنه أمر الدنود بتفتيش بيت الحلاج,فوجدوا ورقاً كثيراً من تعليمات ودعوات إلي مذهبه ,ورداً من أصحابه عليها ,وكتابات بالشفرة لا يفهمها إلا هو ومن أرسلها له.وكتابات تثبت انه يدعو إلي حجٍ من نوعٍ آخر,فيكفي الرجل أن يخصص غرفة في بيته لا تلحقها نجاسة ,ولا يتطرقها أحد ,فإذا حضرت أيام الحج طاف حولها ,وقضي ن المناسك ما يقضي بمكة ,وجمع ثلاثين يتيماً و أطعمهم أفخم الطعام ,وتولي خدمتهم بنفسه ,ثم غسل أيديهم وكسا كل واحدٍ قميصاً ,ودفع لكل واحدٍ منهم سبعة دراهم .فذلك يقوم مقام الحج وتليت هذه الورقة ,علي الحلاج ,وقال رئيس المحكمة:
ـ من أين لك هذا.؟.
ـ من كتابِ الإخلاص للحسن البصري.
ـ كذبت يا حلال الدمّ,قد سمعنا كتاب الإخلاص ,وليس فيه مما ذكرت شئ.
فلما سمع الوزير من القاضي"يا حلال الدمّ"صاح:اكتبها!فتلكأ ,فألح عليه ,فكتب:يا حلالٌ دمه..ومررت الورقة علي سائر القضاة ,فأخذوا يوقعونها ..فلما رأي الحلاجُ ذلك قال:
ــ ظهر حمِيٌّ ..ودمي حرام ..وما يحل لكم أن تتهموني بما يخالفُ عقيدتي ومذهبي السنة ,ولي كتب في الوراقين تدل علي سنتي..فالله الله في دمي..
ولم يزل يردد هذا القول..والقضاة يوقعون حتي كمل الكتابْ ,فأرسله الوزير للخليفة"المقتدر"وعاد الجواب ,وعليه توقيع الخليفة"إذا كانت فثوي القضاةِ فيه بما عرضت ,فأحضره إلي مجلس الشرطة ,واضربه ألف سوط ,فإن لم يمت فاقطع يديه ورجليه ,ثم اضرب رقبته ,وانصب رأسه ,واحرق جثته".
ولا اعلمُ من أيِّ كتابٍ أوسنةٍ جاء الخليفةُ بهذا الحكم إلا من هواه!
ولا أعلمُ قولة الفقهاءِ والقضاة الذين ناظروه وحاكموه في هذا الحكم.لماذا لم يعترضوا علي هذا الحكم الذي يخالفُ الشرع باعتبار الحلاج كافراً"جدلاً".
وهنا أقول:ألم تكن تلك المحكمة مدبرة إذن...؟!.
ضُربَ الحلاجُ ألفَ سوطٍ فما تأوة ,حسب رواية ابن الأثير ,ثُمَّ قطعت يديهِ ورجليهِ وهو حَيَّ ,ويروي أنهُ صلَّي وهو مقطوع اليدين والرجلين.ثم صلبوه ثلاثة أيام ,ثم قطعت رأسه ,وألقي الزيتُ الآثِمُ علي جذعه وأحرقْ ,وذروا رمادهُ من فوقِ مئذنة الجامع المنصور فنامت علي صفحةِ دجلة ,ونُصِبَ الرأسْ.

رأيُ الحلاجِ في معتقدهِ والنَّاس..
يلخصُ موقفهُ من مذهبه ومن الناس قوله لإبراهيم الحلواني  ـ وهو تلميذه ـ"أما تري أنَّ ربي ضربَ قِدَمَهُ في حَدَثِي ثم استهلك حدثي في قدمه ,فلم يبق لي صفة إلا صفة القديم ونطقي في تلك الصيغة ,والخلقُ كلهم أحداث ينطقون عن حدث ,ثم إذا نطقتُ عن القدم ينكرون عليَّ ويشهدونَ بكفري ,ويسعونَ إلي قتلي ,وهم بذلك معذورون وبكل ما يفعلون بي مأجورون".


مجرَّدُ رَأيْ..
بالنسبةِ لي ,فقد حاولتُ التماس شخصيةِ الحلاجِ علي خيطٍ رفيع ,ورحتُ أفكر ,لماذا سيقتلُ الحلاجُ خصوصاً ,لو كانت الدعوي المقدمةِ ضده أنه غير مسلم أو ارتد عن الإسلام وانهُ يقول بالحلول ,وكان الأولي أن يحاكم غيره ممن تقدم ,كالبسطاميّ مثلاً.
إن الإصطخري يقولُ لنا أنه كان يراسلُ الكثير من علية القوم ,لماذا ..؟لا نعلم ,نجدُ هذا عند ابن الأثير في الكاملِ أيضاً..
بالنسبةِ لي أنا ضد الذين رأوا في الحلاجِ مصلحاً اجتماعياً أو قائداً ثورياً ,إذ أن الحلاج صوفيٌّ في الأساس ,والصوفي يتركِ الدنيا وما فيها,وهذا ظاهرُ فيما صنعَ بنفسه من اختلائه بالحرم سنةً كاملة لا يفطرُ في الصيام سوي علي ثلاث قضماتٍ من الخبز وشربة ماء.
كذلك لا أري الحلاجَ باطنياً ولا متشيعاً ,إذ الثابت عندي أنهُ متصوفٌ من الطرازِ الأولْ.
أما سِرُّ قتلهِ فبرأيي لا يعلمهُ إلا الله تعالي ,وسيظلُّ من مجاهل التاريخِ الذي لا يعلمه سوي الله.
خاصةً أن الحلاجَ قد أحرقت كُلُّ كتبهِ وكتاباتِه ,وأَنُّ قد عتم عليه فلا نجدُ في مؤرخي تلك الفترة سوي ابن الأثير ويتناول سيرته فيما يقارب الصفحتين فقط! و أنا قاربتُ العشرينَ صفحةً في مقالٍ أحسبهُ لم يأتي علي جوانبِ الحلاجِ جميعها.ولم يُوَفِّ الرَّجُلَ أَقَلَّ حقوقه.
إذن فهو لم يقتل لأجل معتقد ,يؤيد رأيي ركيزتين:
أولاهما:
أن المعارضين السياسيون دوماً تُلفَّقُ لهم دعاوي دينية تسئُ وتنهشُ في عقيدتهم ,وهذا ظاهرُ في حاضرنا.وهو أولي في ظِلِّ عهدٍ عجيب كعهد المقتدر.
ثانيتهما:
أن المقتدر كان سيئاً وربما"فاسقاً"..وقد وَلِيَ الخلافة طفلاً صغيراً  ,يجلسُ بأمرِ الحريمِ والقادة ويخلعُ بأمرهم أيضاً.ولا أري أن يكون وزيراً لهذا المأفونِ سوي سيئٍ مثله.كحامد بن العباسْ.

كتبتُ هذا المقال,وأنا أعرفُ انه لم يوفِّ الرجلَ حقه ,وقد تلمستُ"كما أسلفت" هذه الشخصية حذراً متلفتاً.وقد قرأتُ عنهُ قدر استطاعتي فيما توافر أمامي من كتبٍ وأبحاثٍ عنه..
فإن جاءَ ضيقاً منحسراً يضيقُ بالرجلِ أو عليهِ أو عليكم فاغفروا لي ,وحسبي أني حاولتُ ولم أوفقْ ,ووهبتُ ولم أَضِنّ.وحسبي أن قد تعبتُ في الإلمامِ بالرجل,وتعبت أكثر في كتابة المقالْ.وإن وفَّي وأوفي فاذكروني بخيرٍ وترحموا علي الحلاج.واللهُ من وراءِ القصد.والله أعلمْ.
عبدالرحمن ناصر.
21/5/2012م.
03:54ص.


                          صورة متخيلة لمقتل الحلاج.


لمن أراد القراءة عن الرجل أنصح ب:
ــ المسافرون إلي الله بلا متاع.جمال بدوي.الهيئة العامة للكتاب.
ـ ديوان الحلاج,مع كتاب الطواسين.طبعة دار الجملْ.
ـ مأساة الحلاج.صلاح عبد الصبور.مسرحية شعرية.
وهذه الروابط:
هذه لا يعتد عليها ولكنها تفيد لمن يريد نبذة مختصرة.

وهذا متأثرٌ بمسيحيته.

وهذا جيد.