السبت، 30 نوفمبر 2013

رسالة يبدو انها كُتبت مراراً .. I

أشتاقُكِ وأشتاقكِ وأشتاقك. يمرُ بي الوقتُ وأشتاقكْ.لا أستطيعُ أن أقول أنني أشتاقُكِ أكثر،أو أنَّني لا أرومُ الآنَ إلا أن أري وجهَكِ الرقراق كالفضة . لا أعرف إن كنتُ أزيدُ في حبك أو لا أزيد ،أزيدُ في اشتياقِكِ أو لا أزيد. هل في الحب زيادة أو نقصان؟ لا أعرفْ ،كل ما أعرفهُ أنني أشتاقكِ وأشتاقك ـ ولن أستطيعُ أن أقولَ أكثرَ من أَيِّ وقتِ مضي ،لأنَّ الاشتياقَ لا يكونُ بالكثرةِ والقلة،الشوقُ ليس كالإيمان عند فرق العقائد يزيدُ وينقص! الشوقُ يسكنُ والاشتياقُ يتحرك دوماً ويتَّقِدْ .لا يزيدُ ولا ينقصْ،ربما أنَّ الحبَّ والشوقَ خارجَ الزَّمَنْ لأنهما من الله ـ .

تسائَلتُ من عقلي وقلبي : هل يفعلُ الله الشر..؟!

لم تكن عندي مشكلة في معني أن يصنع الله الشر أو حتي أن يفعله ،فالرَّبُ ربٌّ علي كل حال،ولكنني تسائلتُ حتي أفهم علي أي صورةٍ ووجهٍ سأعبدُ الله !

كانت الإجابة أن الشر والخير مفهومانِ نسبيان خاصانِ بنا نحنُ البشر،من الصعوبةِ بمكان أن نقيمهما علي الله ونقيده بهما.

منذُ فترة وتمرُّ هذه الفكرة برأسي :

إنَّ الأمرَ أشبهُ ـ لن يكونَ التشبيهُ دقيقاً ـ ما يكونُ بكتابةِ روايةٍ ما/مسرحيةٍ ما من الأدب الكلاسيكي الروسي ! 

إنَّ اللهَ في عليائِهِ يقدرُ ما يقدرُ ويفعلُ ما يفعلُ دونَ أن نسأله !.

كنتُ قد سألتُهُ مراراً ،انكمشتُ في سريري وبكيتُ وسألتهُ : لماذا؟. سأقولُ أنني عاتبتهُ أيضاً أكثرَ من مرة،علي سجادةِ الصلاة! بكيتُ وانتحبتُ وسألته : أهكذا تفعلُ بعبيدك؟ تفعلُ بأولادك..؟! لماذا خلقتنا إذن؟! إنني مقتنعٌ أنكَ تحبني أكثرَ من اقتناعي أنني أحبكْ ولكنني لا أفهمُ منطِقَكَ في الحب! ربما أنني لستُ كاملاً لأفهم ماهيتكَ ولا لأفهم مفاهيمك! هل عندكَ أصلاً مفاهيم!

هكذا عاتبته.


تابعتُ الأمرَ حتي نهايته،وسائلتُ والدي ـ الذي انتشلني مني كثيراً والذي يسمعني بلا أي اكتراثِ بالوقت أو ما أقول ـ ،كانَ والدي أكثرَ واقعيةً ولا اكتراثاً مني،باختصار :

اللهُ يفعلُ ما يفعل ،هو لن يغضبَ إن عاتبته،هو لا يعاملنا كالتاجر إن غبتَ يوماً سينقصُ من مرتبك الشهريّ.لكنَّ الأفضلَ أن ترضي،نعم الأفضلُ أن ترضي.

وأردفَ :

هل تظنُّ أننا نحبُّ الحياة؟! إنني قبلكَ وقبلَ كل الشباب أستعجلُ الذهابَ إليه ـ بالتأكيد سيكونُ من الأفضل أن أذهبَ إليهِ ـ .إنني أتحملُ الدنيا لأنَّ الله قدرها عليّ ،أنا لا أحبها أنا أحبهُ هوَ ! ومن هنا هو يريدُ أن يحققَ مشيئته وأنا ضمنَ مشيئته ،حسناً أنا لا أحبُّ الحياة ،أنا أحبهُ هو.



في النهاية ، لا أعلمُ لم أرادُ اللهُ ما أرادْ ، ولن أصفَ أفعالهُ بالخيرِ والشر فهما متساويانِ عنده ـ يبدو هذا الجواب مريحاً بعض الشئ ، لا مشكلةً عندي في هذا ـ وربما سأحاولُ الا أفكرَ في مدي جدوي أيّ شئ .

شئتُ أم أبيتُ ، هذه هي الحقيقة ـ قد تكونُ حقيقةً مثالية أو حتي ديماجوجية أو سنقول أنهُ ما فتئ الأنبياء وأربابُ الديانات من ترديدها لكن لا مشكلةَ عندي أيضاً في هذا ـ سنموتُ يوماً ما ، يقتلنا الرصاص يقتلنا السرطان ، نموتُ ونحنُ نيام أو حتي ننتحر ، سنموتُ يوماً ما.. في الدنيا نحاولُ أن نصلَ إليه،نتمسكُ بأشياء كثيرة،نتمسكُ بالحبّ ،بالناس ،بالصور ونتمسكُ بالموسيقي والشعر ،كل هذه الأشياء نتحملُ بها الحياة لنصل إليهِ في النهاية،بعدَ الموتْ.

لا يهمُّ بالنسبةِ لي ماذا بعد الموتْ،جنة أو نار؟ ما يهمُّ أنني سأتخلصُ من هذه الحياة ـ بالتأكيد أستطيعُ أن افرح وأضحك وأن أدخل السينما لا أعني أنني سأعيشُ تعيساً ولكنني أحاول أن أصيغَ عبارةً ما.. ربما : أن أتعاملْ مع الواقع بأريحية..هذه هيَ ـ وأنني سأذهب إليهِ هناك،في عليائِهِ التي لا أعرفُ أينَ هيَ بالأساس !
ولا بدَّ أنهُ أعرفُ بعبيده منهم.


لكنني بعدَ كلّ هذا لا أستطيعُ أن أمنعَ نفسي من السؤال :ما جدوي كلّ هذا؟! كل هذا التعب/الجهد/الغضب/وحتي الحبّ !

ويأتيني الجوابُ سهلاً ورقراقاً : إنها مشيئةُ الإله ! القوة العليا في هذا الكونْ .


كيفَ أنتِ الآنَ يا حبيبتي ، لا بدَّ أنكِ مشتاقةٌ أنتِ أيضاً إليّ . حاولتُ ألا أكتبَ ، لكنْ سامحيني،هكذا جبلتْ . الكتمانُ خاصيةٌ لكِ أنتِ .

أشتاقكِ وأشتاقكِ وأشتاقكِ،وأحبكِ وأحبكِ وأحبكْ.

اسمحي لي أن أصفَ وجهكِ الذي يشبهُ روحكِ ببيتٍ للبحتري :

كأنما الفضةُ البيضاءُ سائلةً *** من السَّبائِكِ تَجرِي في مَجَارِيهَا .

3/11/2013م.
03:02م.

الثلاثاء، 30 أكتوبر 2012

علي الهامش . .



 تبدو الكتابة عمليةُ استنزاف,ربما المتعة هي التي تجعلني أقرء,ولا أجد متعتي   ـ علي الأقلّ الآن ـ سوي في الشعر والروايات,بعيداً عن كتب الفلسفة الغارقة وكتب الفكر المُتعَبَه.
"المياة كلها بلونِ الغرق"يحدثنا سيوران .
تبدو اللغةُ متعبةٌ أكثر من اللزوم ,في لغةٍ كلغتنا الفضفاضه ,يضيعُ المعني ويكتسبُ المجازُ صورتهُ الزائفة!
.. .. .. ..

ربما للشاعرِ خصوصيةٌ ما,لذلك قالت العرب"المعني في بطنِ الشاعر".قرأتُ لأحدِ الفلاسفة أن الناقدين ينطلقونَ من خارجِ الشاعرِ إلي داخله,بينما الشعر من داخلِ الشاعرِ إلي خارجه/لغته ,ولهذا يفشلون في استكناهِ حقيقةَ ما يقصدُ الشاعر.

تتقاربُ الرواياتُ من الشعرِ في نفسِ المنطقة ,فلا تحكم علي أحدهم بظاهر اللفظ,فربما خانتهُ اللغة وربما خانكَ فهمك,وربما لا قيمةَ أصلاً لكلٍّ هذا,فاللغةُ فضفاضةٌ أكثر ن اللزوم .
.. .. .. ..

تبدو تلكَ الأسئلة ,كما الأسئلة الوجودية ساذجة وميته ولزجه ,لكنني لا أسألهُ لنفسي كسؤال وجودي,لا أعرفُ لماذا أسأل؟ . .

يبدو كلُّ شئٍ بلونٍ واحد كما قالَ سيوران ,أحياناً أتوقفُ أمامَ قطعةِ الشوكولا أو حتي مشروب ساخن ,وأسألُ نفسي :هل هو مهم أن أشرب..؟! في النهاية تنتهي الاجابات بأحد شيئين:
أن أقول أن هذا سيمتعني ولهذا فهو ذو فائدة كبيرة,إذ أن أهمية الحياة في أن يتمتع الإنسان,طالما أن متعته لن تؤذي!
أو أقول أن هذا مما لا يفيد,وكم وقفتُ أمام أشياءَ جميلة لأسئل هذا السؤال الحقير,وفي النهاية تختلف الإجابات!
.. .. .. ..

هل لكلٍّ الأسئلة إجابات..؟!
يبدو السؤالُ مقيتاً أيضاً ولستُ أنا سائلة,ولكن يبدو لي اللهُ كسؤالٍ بلا إجابة!
.. .. .. ..

هذا الشئُ الذي زادتْ بهِ اللغةُ ثقلاً والمجازُ وِسعاً"الحُبّ".تكلمَ الشعراءُ والأدباءُ والفلاسفة عن الحبّ وعن الأخلاق وعن القيم,وأسألُ نفسي الآن,هل لكلٍّ تلكَ الكتابات قيمة..؟!
.. .. .. ..

ماذا سيضيفُ ما أكتب الآن..؟!
بضعةَ أسئلة إلي خزانةِ الوجود,أو ربما ورقةً أسجلها في إحدي الورقاتِ الصغيرة التي جاءتني كهدية!
لماذا يكرهُ الإنسانُ حياتهُ وتضيقُ بهِ الحياة!
هل الحياةُ تحتملُ كل هذا.؟الحياةُ أصغرُ من أن تثقلها بكلِّ هذا الحزنِ العقيم.
(أعرفُ أنني أكذب,إذ أنني تنتابني حالاتُ الحزنِ كثيراً!)
.. .. .. ..

نبدو كسيرينِ ,ولا نحاولُ سوي أن نكونَ أحياءاً,ونفكرُ في العالم والإنسان والحبّ والحدود وأولادُ الزواني اللذينَ لا يجدونَ ملجئاً .
ربما الحياةُ لا تحتملُ كل هذا التفكير أيضاً.
.. .. .. ..
لماذا لا تأتي يا يوسف ,قلتَ أَنَّ المجازَ لا يعبرُ عنك!
نصحتكَ أن تأتي ,نتسكعُ يوماً في القاهرة ,نختفي في أزقةِ الحسين,ونجاورُ الحاكم بأمرِ الله,ولنترسمَ التاريخَ في أعطافنا,ولنغلق هواتفنا ولنرمِ أحزاننا خلفنا في فرح ,ولنغلقَ خزاناتنا,ولو ليومٍ واحد,فاللغةُ تشتهي أن تستريحَ من جرحنا لها في كلّ قصيدةٍ أو مقال.

تبدو اللغةُ كعجوزٍ ,في صحراءَ يتظللُ بشجرةٍ يافعة ,تنفخُ نايَ مجازها ,ويصير المعني كما صوتُ الناي,يسمعُ ولا يري ,يحسُّ ولا يمسك.يظلُّ غير مُنالٍ دوماً قريبٌ وبعيد ,فينا ولا نستطيع امتلاكه!

اللغةُ عاجزة ,وستظل اللغةُ تدخلكَ في متاهةٍ ما ,لا تستطيعُ الخوضَ فيها ولا الفكاك منها,ترغمك عليها وتريكَ عجزها في اختيالٍ مركبّ!.

هل من المنصفِ أن أرمي اللغةَ بالعجز..؟!ربما ليس منصفاً ربما نحنُ العاجزونَ عن إدراكها.

تعالْ يا صديقي ,لنتسكَّعَ ليومٍ واحد ,ولنشربَ قهوةً معتقة ,وحين يأتي دورنا لنذهب سنعودُ كما كنَّا ,وربما سأهديكَ كتاباً لنيتشه لتصرخَ معه"خراءُ هذا العالمِ هو طعامه!".



السبت، 7 يوليو 2012

أغنيةُ للموت..والأغنياء..!


أغنيةُ للموت..والأغنياء..!

رقصةٌ داخلية:
"...ونادي :
أيها الموتُ . . تعالي إليّ
لألا أموتَ
لأشعرَ أنِّي
أطيلُ الحياةَ . .
ويا قلبُ قل للعابرينَ :
ـ توقفوا !,
ماذا أردتم..؟! ,أو ما تريدونَ..؟! ـ
وقف معهم علي ناصيةٍ صغيرةٍ
و أعلمهم أنَّ ـ الحياةَ هي الموتْ
وأنَّ الموتَ حياةْ ـ ...."
..  ..  ..
وهما ينضبانِ علي رصيفِ الموتْ
كَقُبَّرتينِ ..يكفكفانِ الدَّمعَ
ويمسحانِ الجوعَ عن قلبيهما
وينحدرانِ وراءَ التِّلالِ
السماويةِ اللونْ!.
يقتلانِ حلميهما (البيتُ ,والسريرُ الطِّفلُ ,كسرةُ الخبزِ ,وقطعةُ الشوكولا)
ويدٌ تُخَبِّأُ بؤسَ عينيها
كما يُخَبِّأُ الليلُ الموتْ
وأخري تُسَبِّحُ فوقَ رأسِ أخيها
وتمسحُ عنها غبارَ الفَقرِ
المُقَدَّسْ !
تغنِّي وتبكيْ !:
" يا أولادَ الزِّناءِ تعالوا . .
يا حرافيش الأرضِ . .
ضموا أخي إلي صدرِ أمِّي القتيلة !
ولا تتركوني عاريةً من الموتْ"
و ألفُ قطعةٍ بالية ,
(ألفُ جسدٍ ممزقْ
ألفينِ من الأيادي التي تَفَحَّمَتْ
و أَخَرَينِ من القصبِ الذي امتصوهُ
و ألفٌ من الجماجمْ . .
كحبةِ كرزِ علي مكمنِ عاهرة...
ويا أولادَ الفاجرة . .
لا تتركوا قلبي يذوي !
فلتقتلوني لأحيا...!"


عبدالرحمن ناصر.
السبت.
7/7/2012م.
05:10ص.



الخميس، 5 يوليو 2012

رسالة إلي فاطمة...4


انبثاقه:
صباحُ النَرجَسِ يا فاطمة ,مضطرٌ أن أقدِّمَ اعتذاري في كُلِّ مره ,فلم يتراضَ الطرفانِ علي تدخلي ,بل أقحمني أحدهما دونَ الأخر.فسامحيني.
لم تردي علي أيٍّ من رسائلي الثلاثِ السابقاتْ .لكنني أتفهمُ موقفكِ .مرتْ أكثرُ من عشرةِ أيامْ علي رسالتي الأخيرةِ إليكِ ,ولم تردي ولم يَثُبِ الرَّفِيقُ إلي عقله!

                          *****
لن أَتحدثَ كثيراً عن حبهِ لكِ وعشقهِ مشمِشِكْ ,فأنتِ أدري بذلِكَ مِنِّي يا فَاطِمة . وأنَا أعلمُ تَمَامَ العِلمِ أَنَّكِ لن تُدخلي أحدهم قَلبَكْ مرةً أخري ,فلستِ أنتِ من يدخل مثلَ تلكَ العلاقة المتطرفة ليخرجَ منها!.

فاطمة!لم يعدْ للرفيقِ مثوً غيرَ سريرهِ الضيِّقِ ومكتبتهِ الدافئة ,وأَنَا ورسائلنا التي نتبادلها!.
و هاكِ بعضاً منها:
قال:
"أَتعلمُ يا رفيقَ العُمرِ ما معني أَنْ يزولَ الأمانُ من حياتِكْ ,إِنَّنِي اشعرُ بالرغبةِ بالبكاءِ المريرِ لأجلِ هذا ,أنا أشعرُ بالخوفِ والقشعريرة! أبكي كثيراً ولا ينفعني البكاءْ ,أحياناً أتوقفُ عنه ,تعبتُ من هذا الطقسْ ,أصبحتُ أبكي والدموعُ تسيلُ علي خديّ دونَ شعورٍ وكأنني أتمثَّلُ قول ابن الرومي
"رحمهُ الله وغفر له":
بكاؤكما يشفِي وإن كَانَ لا يُجدي*** فَجُودَا فقدْ أودي نَظِيركُمَا عِندِي!.
وخَتَمَ رسالته بثلاثِ كلماتٍ كليلاتْ"إنني أحترقُ يا رَفِيقْ".
لن أقول لكِ أنني استطعتُ أن أردَّ عليه ,صدقاً يا فاطمة لقد قتلني.
لقد بكيتُ لأجلِ هذهِ الرسالة!.
يا فاطمة ,أقولُ لَكِ بصراحة , لا أتفهمُ كلّ هذا التأخير ,وهذا حبيبكِ معلقٌ بين السماءِ والأرضٍ يتعلقُ بريشةِ أملٍ لا تجئ!.
هلا قطعتِ الشَّكَّ باليَقِينْ ,لو انكِ أخذتِ قراراً لأرحتِ واستَرَحتِ.
بعثَ رسالةً أخري يحكي لي يومَ أَن تقابلتما ,يقول:
" لم أَكُنْ قد تحدثُتُ إليها قبل هذا اليومْ الدافئ ,ولم أكنْ قد رأيتها إلا لَمَماً ,كانتْ تثيرُ جنوني كلما مرَّتْ في مراتها العديدات التي رأيتها فيها .كُنتُ يافعاً ولا أعلمُ عن الحُبٍّ سوي أشعارَ عنترةَ وقيسُ ليلي وربما بعضاً من أشعارِ كثيرِ عزة!.

هذا اليومْ شعرتُ بشئٍ مختلفْ ,فنحنُ معاً في نفسِ المكانْ ,نعم اكتَظَّ المكانُ بالأهلِ والأصدقاءِ والهدايا ,حيثُ كان عيدُ الميلادْ ,لكنني كنتُ أشعرُ أنني وحدي معها.

طالت ليلتنا وافترقَ الجميعْ ,وهكذا الحياةُ لا تُجَمِّعُ إلا بقدرِ ما تُفَرِّقْ ,غير أنني الوحيدُ في تلكَ الليلة الذي انطوي علي سرٍّ مقدسْ ,هذا السِّرُ هو الذي لا يسعهُ مكانْ..هذا السِّرُ هو الحب.
أتدري ما معني الحُبِّ يا رفيقي..؟!"
أتبعَ هذهِ الرسالةَ بأخري ,يقولُ فيها:

"مُلتَفِتٌ لا يَصِلْ".
حاولتُ رداً يا فاطمة ,عَلِّي أهونُ عليهِ شيئاً ولو قليلاً ,فقلت:

"وما الذي يمنعهُ من الوصولِ والاختراقْ".
فردَّ برسالةٍ عبر هاتفهِ يقول:

"كثرةُ الحُجُبِ وتَلَبُّدُ الأسرارِ بغيومٍ علي غيوم ,طبقاتٍ فوقَ طبقات!".

" علي الطريقِ حتي تُكشَفُ الحُجُبُ وتستبينَ الأنوار وتنبلجَ الأسرارُ خبزاً مقدساً".

"وما الطريقُ وما الحُجُبْ , لو تبينتَ لزالتِ الحجبُ عن الحجبِ ولعلمتَ أَنَّ الطريقَ هُوَ أَوَّلُ حِجَاب!".

"وماذا إن وصلتَ وكَشَفتَ الستائِر".

"أكونُ قد فنيت ,وطالما فنيتُ فقدْ بَقِيتْ ".

"وما البقاءُ وما الفناء ,وما الطريقُ وما السَّفر؟!".

 "البَقَاءُ هو الفناءُ ,والفَنَاءُ هو البقاءْ ,فإن فنيتُ عنها فنيتُ فيها وبقيتُ فِيّ ,وإن بقيتُ فيها فنيتُ عَنِّي وبقيتُ فِيّ ,

و اَمَّا الطريقُ فهو أَوَّلُ الحُجُبِ وآخرها ,تَظَلُّ فيهِ مختاراً ـ وفي حالتي ـ لا تَصِلْ ,

وأَمَّا السفرُ فهو فناءُ الحَبِيبِ عن دارهِ و طُلَلِه و بقاءُ المُحِبِّ في حالَةُ وجدةٍ و مواجدِه ".

صدقاً لم أستَطِع أن أسأَلَ أكثر أو أتناقشَ في شئ ,كُنتُ أشعُرُ بجلالَةٍ تجاهه لا اعرفُ مصدرها ,وتَبَيَّنَ كما لم أرهُ من قبلْ.
وَكَأَنَّ شيئاً ما متجاوزاً حَلَّ فيه.
بعثَ برسالةٍ أخري يقولُ فيها :

"..وَمِن عجبٍ أَنَّ الدموعَ علي الروابي
والرفيقةُ كالسفينة في عبابي!.."

هكذا قالَ يا فاطمةُ فتدَبَّرِيْ.





عبدالرحمن ناصر.
الثلاثاء.
3/7/2012م.
09:06ص.


رسالة إلي فاطمة...3. رتوشٌ علي لوحةِ ذكرياتْ.



عندما تتفتحُ الجلنار
أراكِ تشرقينَ مع الفجرْ
أري سَهَرَ الليالي الحزينة
أري مطري الذي لم ينهمر علي غِصنِ زيتوني
أري النَّديْ ,
معلقاً علي ساقِ وردةٍ
كقصيدةٍ من المعلقاتِ السبعْ.
(2)
عندما يغلِقُ الفُقراءُ أبوابهم
مِنَ القَهرِ
ينهمرونَ كالسيلْ
إلي المرافي القديمة
يمثلونَ مسرحيةً عذراءْ
أري عُمري ..ينهمرُ فيها موجعاً . .
والموتْ ,
يُشرعُ ضائِعاً
علي الطرقاتْ
ونوافِذُ النَّوارِسُ لا تستقبِلنِيْ.
(3)
عندَمَا تغلِقينَ البَحرَ ليلاً
تَغرقُ السفنْ
علي ساحِلِ المنافِي
وتكتُمُ أجراسها
وتقتُلُ حراسها الشعراءْ
عندما توحِّدِيْنَ نافِذَةَ الحُلمِ
يَتَوَحَّدُ القَمَرْ
يَضيعُ في نجومِ السماءْ
وَتُطفأُ الأجراسْ
فلا حِضنَ يستَقبِلُ المَنْفِيّ..

                   *****
يا فاطمة ,هكذا غَنَّي حبيبكْ .طلب مني أن أبعثَ إليكِ نَصّه ,وقالَ أنكِ تحبينَ ما يكتُبُ دوماً.
حكي لي عن ليلةِ أمسْ حين بعثتِ رسالةً إليهِ تطلبينَ إليهِ أن يضبُطَ منبِّهَاً ليستيقِظَ علي وقتِ امتحانِهِ وأنَّكِ أنهيتِ الرسالةَ بكلمتينْ وحرفِ جَرّ"تُصبِحْ علي خيرْ"..وقالَ أنهُ بكي طويلاً حين قرء الرسالة.قالَ لي"شعرتُ بالعبثْ ,أنني لا أساوي شئ ,كأنني ورقةُ شجرٍ سقطتْ في الخريفْ".
قالَ لي أَنَّكِ حين كنتِ تغضبينَ منهُ كنتِ تتركينهُ بلا سلامْ ,لا تُتركينَ لهُ رسالة ,أما هذهِ المرة فأنتِ متعبةٌ ومنهكة ,ليس فقط الغضب ما يحرككْ ,إنما الحزنُ والبكاءْ ,أثقلتكِ أفكارهُ و مواجده ,أثقلكِ تحررهُ من كُلِّ شئْ ,وتحررهُ من التحررِ ذاته.
قالَ أَنَّكِ كنتِ تحاولينَ تحليلَ مواقفهُ وحياته ,لكنكِ اعترفتِ له بالفشل ذاتَ ليلةٍ وأنتِ تبكينْ ,قال أيضاً أنهُ لم يكن يقصدُ أيَّ إيذاءٍ لكِ ,وكانَ يقولْ"كيفَ لي أن أغضبها وهي ملاكي الذي نزلَ علي من السماءْ"..لكنهُ يعترفُ لي أنهُ أرعنْ ,قال لي"مشكلتي الكبرى في رعونتي".
قال أيضاً أَنَّكِ كُنتِ تباركينهُ في كل ليلة ,تهاتفينهُ علي عجلٍ عندما تَدُقُّ الثانيةَ عشر ,وبكي كثيراً حين أتتهُ تلك  الرسالة بدلَ صوتِكِ الدافئْ.
يا فاطمة ,أرجو منكِ أن تأخذي وقتَاً كافياً لتستريحي ,فأنا أعلمُ أن لا جَفنَ يرقَأُ لَكِ إلا حِينَ يرقَأُ جفنه ,وأرجو ألا يدفعني كي أكتُبَ رسائِلَ أخري ,لكنهُ مقهورْ ,حسبَ تعبيره.
عبدالرحمن ناصر.
26/6/2012م.
12:27م.