الأحد، 20 أبريل، 2014

مارثيدس، لقد اشتقتُ إليكِ.

دعيني أقبلكِ علي جبينك هذا الصباح، قبل أن أخبركِ كم أنتِ جميلة، وأنني أشتاقك بشدة.

عزيزتي بريجيف:

أبدءُ يومي هذا الصباح بالنوم، لي أكثر من أربعين ساعة لم أنم، لأكونَ صادقاً أحاولُ أن أقلدك في طريقة عملك. غير أنني اكتشفت أنك مثابرة أكثر مني حتي في تحمل قلة النوم، وهذا ما كانَ يفرقك عني.

في هذا الصباح، سأكتبُ إليكِ كما اعتدتْ منذُ شهور، غير أنهُ ـ ولتسمحي لي ـ سيقرءُ هذه الرسالة غيرك، لا أعرفُ السبب بالتحديد، ولكن أستأذنك. سأكتبُ وأنام. حقيقةً لم أفهم مدي أهمية النوم علي اليقظة إلا من خلالك. حينما تأتينني يا بريجيف بشعرك الكستنائي الخفيف حين أنام.

في المرةِ الأخيرة، كنتِ معي في عالمٍ سحريّ، كأننا كنا نشكلُ معاً أغنية. كلانا كانَت روحه مشدوهه إلي السماء دون أدني إرادة. وكانَ الجو صباحاً كالساعة الحالية، في ساحةٍ خالية وقبلَ شروق الشمسْ. أذكرُ أنني استيقظتُ فرحاً ومقبوضاً في الآن ذاته ذلك اليوم.

اشتقتُ كثيراً لأشياءَ كثيرة فعلناها معاً مراراً ولم تفقد ـ لفرطِ الدهشة ـ جمالها. الآنَ أصنعُ أشياءَ جميلة حقاً لم نكن نصنعها معاًـ لكنها تفقدُ رونقها بعد المرةِ الأولي. نسيت أن أخبركِ أنني أحببتُ طعم السيجار الكوبي أكثر من أية أدوات تدخين أخري، لكنني وكعادتي أفشلُ دوماً أن تكونَ لي عادة ـ سوي الكتابة والحب طبعاً ـ فلم أستطع أن أدخن باستمرار، الحقيقة أنني لا أحب التدخين دوماً. بريجيف إني أفتقدكْ.

في حلمي قبل الأخير، كنتِ تقبلينني، في عالمٍ ما غنائيّ بشدة. لفرطِ وجعي، لم يكتمل الحلمُ تماماً أيقظني صديقي في السكن. أه، لم أحدثكِ عن سكني الجديد. أنا أسكن الآن في مكانٍ آخر، لقد رحلتُ عن بيتي. أعودُ فقط آخر كل أسبوع اتفقدُ أشيائنا وأعود، بالاحري أتفقدني أنا، ما تبقي هناكْ.

لم أخبركِ أيضاً أنني أحتفظُ لكِ بقطعةِ شوكولا جائتني هدية منذُ شهر تقريباً، قلت: هذه الشوكولا لا تستحق سوي شفاه بريجيف.

أعودُ كما قلت كل أسبوع لأتفقدَ أشيائنا، الهواء الذي تنفسناهُ معاً هاهنا، الأمنياتُ التي ترتبت كما لم نخطط لها، رفوفُ مكتبتنا الصغيرة التي ظلت تكبرُ وتكبر كما كبرت خطانا. التفاصيلُ الصغيرة التي لم يصنعها حقيقةً سوي الله. وأعودْ، كلَّ أسبوعٍ أعودُ كي لا يجرفني التيار. بريجيف إني أشتاقك.

منذُ يومين فقط، توفي ماركيز، لفرطِ دهشتي لم تكوني موجودة لأحكي لكِ عن حكايا ماركيز وبساطته. الكل يعلمُ كم أحبه، ولكن لا أحد يعرفُ أنني لم اقرء له سوي رواية واحدة جعلتني أسيراً لعالمه.

عندما كنتُ أتصفحُ صوره، هنالك صورة واحدة يا بريجييف وجدتكِ فيها، توقفتُ أمامها، لن أقول أنني بكيت فلم تعد الدموع تنسالُ مني كما في السابق. المهم تلكَ الصورة حينَ كان ماركيز مريضاً وجاء ليزور قريته في كولومبيا. كانت الصورة تنطق: مارثيدس إلي يساره، ممسكٌ هو بساعدها، الناس والصحفيون يلوحون لماركيز، ماركيز غارق في لحظةٍ من لحظات الحب، وجهه ينطقُ لمارثيدس: من هؤلاء يا مارثيدس؟ أنا لا أنتمي إلي هنا، أشعرُ بالصخب، احميني.

في الحقيقة في تلكَ اللحظة اكتشفتُ أنني ماركيز، وأنكِ مارثيدس. لربما ـ لو كنتِ هاهنا كعادتك ـ لكنتُ أخبرتكِ أنَّ ماركيز أحب مارثيدس وهو في الثالثةِ عشر، وتزوجها وهو في الثلاثين، وقضي معها 57 عاماً كاملة في بيتٍ واحد. أذكرُ أنني أحببتكِ وأنا في الخامسةَ عشر، لكنني سأحكي عنكِ أكثر مما حكي ماركيز عن مارثيدس.

مارثيدس، لقد اشتقتُ إليكِ.





          

هناك تعليق واحد: