السبت، 1 أكتوبر، 2011

مات صديقي ...والموتُ حقٌ..


 محمد يحيي بيسلم عليك.
قالها والدي. .وأجبتُهُ."الله يسلمك ويسلمه"..
صمتَ قليلاً . ."ومش هيسلِّم عليك تاني"..ماذاّ؟وقفتُ متعجباً مستغرباً ,وضممتُ عضلاتَ وجهي عابساً"لماذا"..
لأنهُ مات.قالها وهو ينظرُ للأرضِ في سكون..وصحتُ:ماذا!؟مات؟كيف؟و متي؟
اليوم..

ووقفتُ ساكناً فاتحاً فمي.فما كنتُ احسبُ أن الموتَ سيختطفُكَ من بين أيدينا بسرعةٍ هكذا .سرعة لم تتخطَ حاجِزَ العشرينَ عاماً.
كيف مات؟,أسألُ والدي وأنا علي حالي واقفاً ,فاتحاً فمي .
وكانت الفاجعة ,ماتَ غرقاً.
غرقاً!,يا الله.

*****
لم أَكُنْ مقرباً إليكَ جداً ولا أنت كنت مقرباً إلي جداً . .لكنهما قلبانِ كان يحبان بعضهما بعضاً . .وان افترقنا شهوراً.
أذكركَ يا صديقي ونحنُ طفلينِ معاً نلعبُ الكرةَ وتعجبُ لمهارتي في التسديد. .تطلِقُ علي والرفاقَ لقباً ما زلتُ أذكره.
أذهبُ إلي العملِ مع والدي لألعبَ معكَ والرفاق..
تفرقنا وقتاً وعدنا أوقاتاً..
لعبناً معاً..وأكلنا ..وشربنا.وقفنا معاً في أوقاتٍ كثيراتٍ مذ كنا صغاراً نلعبُ الكرة.


اختطفكَ الموجُ من الرفاق. .رفاق الطفولةِ والكرة..
وكنتم تسبحونَ وتمرحون . .ماذا يفعلُ البحرُ بكَ يا صديقي,اختطفكَ علي حينِ غرةٍ سوداءَ من هفواتهِ الماجنة.أوليس يعلمُ أنني أحبهُ في شأوهِ وقوَّتِهْ ,في صلابتهِ وعنفوانه ,في سطوتهِ وتخاذله..

أوليس يعلمُ أنك صديقي !؟مالهُ أوجُنَّ هذا الأبلهُ المأفون.
*****
رحماكَ يا ربي..
رحماك.

*****
ذهبتَ أنت وأنا هنا . .أتألمُ وأتألمُ ,أنت كنت مليئاً بالحياةِ والعنفوان ,وأنا,أنا كنتُ قابعاً منطوياً علي ذاتي أتمني الموت,وهاهو قد جاءني ,متمثلاً فيكَ أنتَ المحب للحياة,ومالهُ لم يأتني؟ألأنني طلبتهُ لا يأتي.ولماذا يأخذكَ أنتَ؟ها.
إنهُ عنفوانِ القدرِ وبخله,يبخلُ أن يطيلَ في عمركَ ساعةً أخري.
لا بل هي مشيئةُ الموتِ القابعِ تحت ركام حياتنا اللاهثة.
إنها مشيئةُ الربِ الحنونِ القادرْ..
ليست مشيئةَ أحدٍ أخر..
وما لي أسبُ القدر.
عذراً . .
مالي حزينُ عليكَ يا فتي..
ابتسمْ
ستعيشُ دهراً أخراً ,مادمتَ قد رميتَ إلي هذهِ الحياة ,فأنتَ حيٌ ولو قتلتكَ الأمواجُ الثائرة.
انهُ الموتُ نعم . .ولا أدري لماذا لا نحبُ الموتَ كما نحبُ الحياة.
عذرا صديقي . . إن أنا أزعجتُكَ بحزني .فما أنتَ إلا حيٌ هناك عند الرب. .يدخلكَ جنتهُ إن شاء الله ..ثاوياً تحتَ شجرةِ رحمتِهِ.
أعلمُ أنكَ لم تكن تصلي . .ويا للحسرة ,تراني ذاهباً للصلاةِ وأنظرُ إليكَ علَّكَ تفهمني.وقد فهمتني لكنها نظرتُكَ الساهمةُ الرانيةُ إلي الأعلى..وأترككَ وأذهبُ أنا متحسراً أنكَ لا تُصَلِّي.
آهٍ يا صديقي.. لو تعلمْ.
*****
ويلي علي والديكَ الحزينانِ..
لو يعلمانْ.
فقط لو يعلمانِ. .أَنَّكَ ما مُتَّ..وأنكَ عائِشٌ.
ويلي علي إخوتِكَ البناتُ اليافعات..من لهمْ..
ويلي علي والدكَ الكبيرْ..
أري لحيتَهُ وقد خالط بياضها بعضاً من سوادٍ يعيد ذكري أيامِ الشباب..
وما الشبابّ؟
أوليس مرحلةً من مراحِلِ الحلمِ الكبير؟
أوليسَ وحياً؟
مثلهُ مثل الكهولةِ والشيبِ والطفولة.
إنها مسمياتٌ فقط.صدقني..مجردُ مسمياتْ.
*****
ربما أنتَ أنا..أو أنا أنتَ..وقد ذهبنا.
أراني وأنت تأتيني بالطعامِ في العملْ ,أيامَ الإجازة . . جميلُ أنتَ في براءتك .. وحبكْ.
ربما كنتُ أنا الذاهبُ المنقطعُ عن الحلمِ الطويلِ الساهمِ في شرودٍ علي أبوابِ حياتنا السائلةِ الممزقة..لكنكَ أنتَ أخذتَ مكاني في رحلةِ الرحيل..
وما أنا وما أنت؟؟
أولستَ إنساناً يحبُ ويعشق.أولستَ تحزنُ وترمي بعينيكَ نحو السماءِ وتقولُ يا رب؟
أوليس الربُ يسمعكَ ويلبي ندائكَ وندائي. .نحنُ..أنتَ ..ونحنُ أنا..أيها الساهمُ البعيد.
جسدكَ قريبُ وأنتَ بعيدٌ هناك . .عندَ الرَّب. .وما أحلي الرَبِ وما أرحمه..إنهُ غفورٌ رحيم.
*****
اذهب يا صديقي وانتظرني هناكَ..علي أبوابِ الحياةِ..هناكَ بعد الموت..لأننا لم نعش لحظةً ولن نعيش لحظةً لأننا في حلم..
قلتُ يوماً:
وما الدنيا سوي حلمٍ نعيشهُ
لنعبر لنعيمٍ أو عذابِ

لهذا كنتُ أتعجل الموتَ الذي هو سرٌ من أسرارِ الحياةِ التي فهمتها قبل الملايينِ غيري من البشر..أو ربما لم أفهمها..و أنا الوحيد,الوحيدُ فقط الذي لم يفهم.
 ولأنني تعجلتُ الحياةَ فقدْ أماتني اللهُ..ولأنكَ استعجلت الموتَ فقد أحياكَ الله.
*****
هنيئاً لك الحياةُ يا رفيق ..
ودمتَ في جوارِ الربِ يحنو عليكَ , وتأكُلُ من ثمارِهِ اليانعةِ . .
 هناكَ في جنتهْ. .

سأدعو الرب لك . .  
عسي ينفعُ دعائي المستكينُ الميتُ. .
روحاً حيةً هناك. .
في سموِّ السماءِ وفوق ضبابِ الأرضِ الجدباءِ..
هناكَ
فوق الملايينِ وتحتَ الملايين..أنت..
فيما لا وجعٍ ولا وجل..
في الانتظار..تخبو وتخبو..في ضياءٍ
أو سناءٍ ..مستعرْ. .
كن رفيقاً وانتظر ..
رفيقكَ المسلوبِ من وجعِ المواتِ المستقر..
انتظرني . .وادعُ لي. .
أن أعيشَ كما تعيش. .
فوق الملايينِ. .وتحتَ الملايين..
فوق النياشين. .
هناكَ. .
عند الرَّبِ . . عَلَّهُ يحنو عليّ ..
وعلِّي آكُلُ من ثمارِهِ اليانِعة..
مثلكَ. .تماماً
12/7/2011م
01:04صباحاً

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق